أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

🔥🖤 أعداء النعم 🖤🔥بقلم المستشار عادل رفاعى



إن رذيلة الحسد قديمة على الأرض قدم الزمان، وقِدم الإنسان نفسه، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:

إن لنعم الله أعداء، قيل من هم يا رسول الله ؟

قال الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله.

وقال صلى الله عليه وسلم:

إن النظرة حق

وقال صلى الله عليه وسلم:

إن العين حق

وقال صلى الله عليه وسلم:

إن النظرة تدخل الرجال القبور، وتدخل الجمال القدور.


وقال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:

اطلعت على أكثر أهل أمتي في القبور، فوجدتهم من الحسد

والواقع من الأمر أنه ما أن تكتمل خصائص العظمة في نفس، أو تتكاثر مواهب الله لدى إنسان، حتى ترى كل محدود أو منقوص يضيق بما رأى، ويطوي جوانحه على غضب مكتوب، ويعيش منغصاً لا يريحه ولا يرضيه إلا زوال النعمة وانطفاء العظمة وتحقق الفشل، وثمة أمر لا أستطيع أن أحمل ضميري على كتمانه ولا أعقد لساني عن أمر بيانه، ذلك هو أن الحسد مصدر كل عداوة وينبوع كل شقاء وأمضى سلاح في يد الشيطان، يضرب به القلوب فيمزقها، والنفوس فيعتصرها، ويعزز الضغينة والنفور، ويبعث العداوات من مراقدها، ويظهر سخائم النفوس، وما داء الأمم التي فنيت سوى الحسد.

من أجل ذلك يقول النبي زكريا عليه السلام:

قال الله تعالى:

الحاسد عدو لنعمتي متسخط لقضائي، غير راضٍ بقسمتي التي قسمت بين الناس.

وَلكَم ساءلت نفسي، أتكون مسالك العظماء والموهوبين وأنماط الحياة المترفّعة التي تميز تفكيرهم ومشاعرهم هي السبب في كراهية الساخطين عليهم وتبرمهم بهم ؟!

ثم تبينت خطأ هذا الافتراض.

فكم من موهوب لا تزيده موهبته إلا تقرباً إلى الناس وعطفا عليهم، ومع ذلك فإن التعليقات المرة تتبعه، ويصل الأمر إلى التشويه المتعمد لآثاره الطيبة والتضخيم الجائر لأخطائه التافهة، فما السر إذاً ؟

بعد جهد جهيد أيقنت أن السر في أن الذميم يرى في الجمال تحدياً له، كما وأن الغبي يرى الذكاء عدواناً عليه، والفاشل يرى في النجاح إزراء به.

فماذا يفعل النوابغ والمبرّزون ليريحوا هذه الطبائع المتفحّشة ؟؟ 

إذا محاسني اللاتي أُدِلَ بها 

كانت ذنوبا. فقل لي: كيف أعتذرُ ؟

ولله در القائل:


إن يحسدوني فإني غير لائمهم

قبلي من الناس أهل الفضل قد حُسِدوا

فَدَام لي ولهم ما بي وما بهم !

ومات أكثرنا غيظا بما يجدُ ؟؟


وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد غير أن وقائع الحياة أعتى مما نتمنى، ودسائس الحاقدين ومكائدهم ومؤامراتهم الدنيئة لا تنتهي حتى تبدأ من جديد.

وهم يصلون في أغلب الأحيان إلى ما يشتهون من سوء، وكم من عبقريات ومواهب مرّغتها في الوحل خصومات الحاسدين الخسيسة، وأرى أن كل ذي موهبة يحتاج في كل زمان إلى إمداد سريعة من المساندة لتعيد إليهم ثقتهم بأنفسهم ومزيداً من العزة لتشجعهم على المضي في طريقهم دون إحباط أو اعياء، وذلك لكثرة ما يلقون من إيذاء الناقمين والشامتين، فإن كثيراً من الناس يجدون تشفياً في اتهام شخص يفوقهم ثقافة أو مكانة أو نجاحاً أو علماً أو قبولاً عند الناس.

وقد كنت أظن أن هذه المشاعر السلبية إنما تنمو في الطبقات الدنيا فحسب، لكني وجدت من كبار الموظفين رجالاً تصرفهم الأثرة وحدها ويضربهم الاستعلاء وتنازع السلطات واجتياز المنافع واسترضاء الاتباع وأكاد أقرر أن التحاسد على الصغائر له مجال بين الصغار فحسب، أما الصور الكالحة للحسد، الطامسة للحق، المرهقة للضمائر، فهي بين أولئك الكبار في مناصبهم المرموقين بالتجلة والاحترام في أغلب الأحيان.

ولله در الأديب مصطفى صادق الرافعي إذ وصف هؤلاء بقوله:

أنه إذا أسندت لصغار النفوس وظائف كبيرة كبرت بها رذائلهم لا نفوسهم.

وعادت بيَّ الذاكرة حيث ظهر في الوجود نجم الرسول العظيم محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي وكان الأحبار والرهبان يدركون أنه نبي آخر الزمان ويعرفونه بأوصافه وأخلاقه والتقوا به للتحقق من صحة دعوته وصدق رسالته، وسرعان ما أيقنوا أنهم أمام رسولٍ مرسل من رب العالمين، وأن واجبهم يقتضيهم أن يؤمنوا به وأن يتبعوا دينه، لكنهم تجاهلوا هذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس وكرهوا -عن تجاهل لا عن جهل- أن يذكروها أو ينشروها أو يبشّروا الناس بها، وفي ذلك يقول الله تعالى: 

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ البقرة ١٤٦".

وما هذا الكتمان إلا إظهاراً لحقيقة ذوي النفوس الدنيئة، عندما تلمح دلائل العظمة والمجد قد ساقتها السماء إلى إنسان.

إنه الحسد البغيض وهو ما يفسر قول عتاة الكفر من قريش حين التقى أبو جهل والوليد بن المغيرة وهما يتسمعان أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ويتلصصان عليه وهو في دار الأرقم بن أبي الأرقم لثلاثة أيام كاملة، وكل منهما يأتي خِلسة من وراء الآخر، فلما تجابها وسألا نفسيهما، أمحمد على الحق ؟ قررا في غير إبطاء أنه على الحق، وأن ما جاء به من قرآن منزل من السماء بحق، وأن ما دعا إليه من مكارم الأخلاق هو الحق، لكن الأول لم يُسلم قياده للنبي حتى لا تضيع زعامته وسعى وراء أحقاده وقال كنا وبني هاشم كفرسي رهان، إذا أطعموا الحجيج سقيناهم، فلما قالوا ظهر فينا نبي فمتى يظهر فينا نبي، وبمثل ذلك احتج الوليد بن المغيرة رغم رجاحة عقله وعلو شأنه في فنون اللغة وهو ما قاده إلى الاعتراف الصريح بأن ما جاء به محمد من كلام لا ينبغي أن يكون لبشر، وأن محمداً ليس بكاهنٍ أو عرّاف أو ساحر، ورغم ذلك لم يتبعوا الدين الحق ودفعهم الحسد بأن ألّبوا الناس على النبي ودينه الجديد وأشاعوا حوله قالة السوء وأثاروا بمواقفهم حروباً طاحنة ما كان أغنى الدنيا عنها لو تطهرت النفوس من هذه الغيرة الشخصية السيئة، فلو اعترف الأحبار والرهبان بالحقيقة الدامغة التي روتها كتبهم المقدسة، وظلوا يترقبون بموجبها نبي آخر الزمان، ولو شايعه كبار القوم دون حسد أو تناجش، لما وقعت حروب أفنت الكثير من البشر.

إن النجاة من ظلمات الحياة ومظالم الناس وأحقادهم ليست بالأمر السهل ولابد لها من أضواء يبعثها رب الفلق، الذي يستطيع وحده أن يمحو أية الليل بآية النهار.

من أجل ذلك أمرنا الله تعالى أن نستعيذ به من شرور الحاسدين والحاقدين، كما نستعيذ به من شر الليل الغاسق وصنوف الأذى كلها، سواء حملتها هامة أو دابة أو إنسان 


فقال تعالى:

(قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) الفلق".

ولقد رأيت طوال حياتي من أهوال العين والحسد ما رأيت، وأيقنت أنه بالحسد، امحت رسوم وطُمِست أعلامها وخفيت معاهدها وغيرها البلى وصارت صحارى مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب متقطعة بعد الحسن، وشعابا مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذئاب، ومعازف للطيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش بعد رجال كالليوث، تفيض لديهم النعم الفاشية وقد تبدد شملهم فصاروا في البلاد أيادى سِبا، وكأن تلك المحاريب المنمقة والمقاصير المزينة التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم حسن منظرها، حين شملها الخراب وعمّها الهدم كأفواه السباع فاغرة تؤذن بفناء الدنيا وتريك عواقب أهلها وتخبرك عما يصير إليه، كل ما تراه قائماً فيه وتزهد في طلبها بعد أن طالما زهدت في تركها، وتذكرت أيامك بها ولذاتك فيها، وشهور صِباك لديها.

"يراجع كتاب طوق الحمامة للعلامة ابن حزم الأندلسي"

ولقد شاهدت بعيني رأسي أحباباً وأصدقاء وأقارب نزلت بهم سخائم الحسد وقد كانوا في علاقاتهم أصفى من الماء وألطف من الهواء وأثبت من الجبال وأقوى من الحديد وأشد أمتزاجا من اللون في الملون وأضوء من الشمس وأصح من العيان وأثقب من النجم وأعجب من الدهر وأحسن من البر وألذ من العافية وأحلى من المنى وأدنى من النفس وأقرب من النسب وأرسخ من النفس في الحجر، ثم استحالت تلك المودة إلى عداوة أفظع من الموت وأمر من السقم وأوحش من زوال النعم وأقبح من حلول النقم وأمضى من عقم الرياح وأضر من الحمق وأدهى من غلبة العدو وأشد من الأسر وأقسى من السحر وأبغض من كشف الأستار وأنأى من الجوزاء وأصعب من معاناة السماء وأكبر من رؤية المصاب وأشنع من خرق العادات وأفظع من فجأة البلاء وأبشع من السم الزعاف وقتل الآباء وسبي الأمهات.


فإن نظرات الحسد قائدة أصحابها إلى الوبال والخزي 

ولو لم يكن عند ركوب مركب الهوى -بإطلاق سهام الحسد النارية- زاجر من نهي الله تعالى ولا حام من غليظ عقابه، لكان في قبيح الأحدوثة عن صاحبه وعظيم الظلم الواقع في نفس فاعله أعظم مانع وأشد رادع لمن نظر بعين الحقيقة واتبع سبيل الرشد 

فهو يطوي قلبه على أحر من الجمر، وطوى كشحه على أحد من السيف، وتجرع غُصصاً أمر من الحنظل، وسقط في هاوية ما لها من قرار، فصار مظلم القلب.


"يراجع المصدر السابق"


وهنا أدركت حكمة الاستعاذة بالله الواحد القهار والاستعانة به، فإن اللذين رُزِقُوا من النعم والمواهب ما يغري الآخرين بتنقصهم وسد منافذ الحياة والارتقاء أمامهم أحوج الناس إلى تأييد الله لهم كي يواصلوا إبداعهم ويؤدوا رسالتهم ويبرزوا مواهبهم، ومع أن الأنبياء أكبر من أن يفقدوا ثقتهم بأنفسهم أمام سيل التكذيب والاتهام الذي يرميهم به الحاسدون، فإنهم احتاجوا في كل لحظة إلى معونة الله وتثبيته حتى لا يؤثر استخفاف أو تحقير

﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ الروم ٦٠".


(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ* فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ)

هود ٣٨ : ٣٩ ".

(يراجع كتاب جدد حياتك للعلامة محمد الغزالي)

وإن نظرة على حال البشرية نجد أنها اليوم في مهب الريح في تنازع واختلاف وتحاسد وما نتيجة ذلك كله إلا الفشل والانحطاط، فالعصبية المقيتة والتحاسد والاختلاف لن تنال به البشرية تقدماً، فيا بني وطني املئوا قلوبكم بالحب وأنفسكم باليقين، أن ما كان لك سوف يأتيك على ضعفك، وأن ما لم يكن لك لن يأتيك على قوتك، وأن ما أخطأك لم يكن يصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، وتدثروا برداء القناعة واعلموا أن الحاسد عدو لنعمة الله، متسخط بقضائه، غير راضٍ بقسمته التي قسم بين العباد، وانزعوا عنكم رداء الشحناء ولباس الكراهية فهي أردية آسنة متعفنة، وتداركوا الأمر حتى لا نصبح أثراً بعد عين، واعتصموا بالحب وتوحدوا واعلموا أن الوحدة التي تنبع من مشكاة العبودية لله الواحد والرضا بقسمه وقضائه هي وحدها التي تقيم الأمم وتزدهر بها الحضارات وتعلو بها الإنسانية.

فاللهم إنا نسألك أن تقينا من شر أعين العائنين وشر حسد الحاسدين ونسألك أن تجنبنا سيئات الأفعال وخسائس الأمور ونعوذ بكلماتك التامات التي لا يجاورهن بارٌ ولا فاجر من شر ما خلقت وذرأت وبرأت ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن، ونعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات من شر ما أنت آخذ بناصيته.

اللهم إنك تكشف المأثم والمغرم، اللهم إنه لا يهزم جندك ولا يُخلف وعدك وقد انسدت الطرق إلا إليك، وانقطع الاعتماد إلا عليك، وضاع الأمل إلا منك وخاب الرجاء إلا فيك وأغلقت الأبواب إلا بابك، وانقطعت الأسباب إلا أسبابك وضاق كل جناب إلا جنابك، فلا تجعل اللهم اعتمادنا إلا عليك ولا مفرنا إلا اليك ولا ذلنا إلا بين يديك ولا خضوعنا إلا لك، ولا حولنا إلا منك ولا رجاءنا إلا فيك، ولا رضانا إلا عنك، ولا اعتصامنا إلا بك، ولا اخلاصنا إلا لوجهك الكريم.

اللهم ضاقت بنا المسالك وأحاطت بنا المهالك واشتدت بنا الأزمات واستحكمت حلقاتها وأزفت الآزفة ليس لها من دونك كاشفة فاكشف اللهم غمتنا وفرج كربتنا وأغث لهفتنا، واجعل مصرنا الحبيبة في أمانك وضمانك وحرزك، ووحد صفوفها واحفظ أهلها من كل مكروه وسوء.

وصل اللهم على نبينا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى من والاه إلى يوم الدين 


ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم 

ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر 

ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر 

ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء 


المستشار عادل رفاعي 🌹 ❤️

تعليقات