الحمد لله قاهر المتجبر ومُذِلّه، ورافع المتواضع ومُجِلّه، القريب من عبده فهو أقرب من ظله، وهو عند المنكسر لأجله حال ذله، لا يعذب عن سمعه وقع القطر في أضعف طلة، ولا بُغام ظبي البر وكشيش صله، ولا يغيب عن بصره في الدجى دبيب نملة، رفع من شاء بإعزازه كما حط من شاء بذله، لم يزل قديما دائماً وخبيراً بالأسرار عالماً، قرب من شاء فجعله صائماً قائماً، وطرد من شاء فصار في بيداء الضلال هائماً.
يفعل ما يريد، وإن يأبى العبد راغما، ويقبل توبة التائب إذا أمسى نادماً.
أحمده حمداً من التقصير سالما، وأصلي على نبيه الذي سافر إلى قاب قوسين ثم عاد غانماً، أختاره من الخلق فكأن الكل خُلِقوا من أجله.
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) الفتح ٢٨".
ما أن أطل العام الجديد برأسه حتى أتت معه الكوارث والقوارع والفتن التي يتبع أولها آخرها، -والآخرة أشد من الأولى-، فها هو العالم المتحضر المتمدين السفاح، لم تكفه حروب الإبادة التي أفنى فيها الحجر والشجر والبشر والمدر، ولم يكفه هدم المساجد والكنائس، وإشعال الحروب في كل شبر على وجه البسيطة، جهاراً نهاراً دون مواربة، وقد كان قبلاً يفعل ذلك مختبئاً وراء أقنعة من الزيف وأكاذيب حول الديمقراطية وحقوق الإنسان ومبادئ الحق والجمال والخير التي صدعوا رؤوسنا بها، ولطالما عيرونا بافتقار مجتمعاتنا إليها.
الآن سقطت ورقة التوت وأُعلنت شريعة الغاب واستعمال القوة الغاشمة دستوراً يحكم الكوكب كله، لتكون بديلاً عن كل القيم وليسحقوا بأحذيتهم الغليظة كل المبادئ، ويلغوا من الوجود كل المؤسسات، ليشربوا خمر النصر في جماجم الضعفاء.
أصبح النظام العالمي مزهواً بغطرسة القوة، فالأحداث تترى تنبئ عن قرب فناء العالم دون أن ينبس أحد ببنت شفه، ليدخل العالم كله بيت الطاعة دون تمييز، وليحنى الجميع جباهه للقوة التي أصبحت دستور العالم ليصطلوا بنيران الحروب في كل مكان.
والفناء هو المصير الأوحد المتوقع للكوكب كله، فلا حصانة لشخص ولا سيادة لدولة ولا حرمة لأرض أو تراب أو ممتلكات أو مقدسات.
النظام الجديد في حالة نهم، يسرق الأموال عيانا بيانا ويستحوذ على الموارد الطبيعية وغير الطبيعية، واختفى حتى الشجب أو الاستنكار الخجول، وبقي الضعفاء يتلقون الصفعات وهم يمضغون العجز ويشتكون الشدة لدى أضعف شدة، ويقابلون اللكم بالبكم
لذلك أردت اليوم أن أتحدث عن أولى العزم، الذين خلقهم الله على عينه وصنعهم على يديه، وأعدهم لمواجهة الشدائد البغيضة والأحداث المؤسفة بثبات لا نكوص معه، وعقل لا يفقد توازنه واعتداله في رضا وصبر، غير أن حبس النفس على هذا الوجه على ما تكره يؤدي إلى تولد شعور دائم بمرارة الواقع وطول الإحساس بما فيه من أذى، وقد ينتهى بالإنسان إلى حالة من الكآبة والقنوط.
والواقع أن رسالة الأديان اجتمعت على تحويل الصبر إلى حالة من حالات الرضا ثم استثارة الهمم للعمل والإنتاج، وذلك يقتضي التلطف مع النفس وأخذها بالرقة واللين واستدراج مشاعرها النافرة فلا يكون رضا والنفس طافحة بالضيق والتبرم وسياط السخط تلهب رأسها، وتمزق جسدها ومعاول القلق تهدم ما تبقى منها.
والحق أنني كنت طوال عمري إذا ما وقعت لي قارعة أبادر باللجوء إلى السماء أرفع يدي في تضرع وأقول في نفسي:
رب ضارة نافعة، وسرعان ما اكتشف أن من بين طيات تلك المحنة تنبلج أضواء منحة تبدد أنوارها الساطعة فلول ليل الأتراح، فتولي هاربة إلى غير رجعة.
(وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة ٢١٦".
ولقد رأيت طوال مسيرة حياتي من عجائب قدرة الله ورحماته ما أنطق الصخر وأحال الأقدار الدامية والحوادث المفجعة إلى فرج قريب تمتد فيه يد الحنان المنان إلى القلوب المكلومة فتهدهد منها الجَنان، وتكفكف الدمع وتطيب الخواطر، وتجبر الكسر وتحيل دياجي الظلم إلى أنوار مبهرة تملأ الحياة حبوراًوسعادة ونوراً يضيء حلك الليل البهيم شريطة ألا يركن المرء إلى الدعة والسخط والتبرم، وأن يتلقى الصدمة ويهضمها ويعمل على مقاومتها في إصرار وعزيمة وثبات الرجال
وغنيٌ عن البيان، أن مواهب العظماء ما تفتقت إلا وسط ركام من الآلام والملمات، فمن رحم الكوارث والفواجع نبت الرجال الذين غيروا وجه التاريخ في عزم وإصرار وثبات، هو ثبات أولى العزم من الرجال.
إن بيتهوفين كان أصمّاً لكنه ألف موسيقاه الراقية التي ملأت أركان الدنيا وشنّفت الأذان وذاع صيته بسببها، وكذلك كان الأديب مصطفى صادق الرافعي الذي بهر الدنيا بعلمه وأدبه وأشعاره، حتى لُقِّب بأديب العروبة والإسلام، وكذلك كان الأستاذ الدكتور طه حسين قاهر الظلام الذي ملأ الدنيا علماً وهو فاقد البصر كما كان أستاذه أبو العلاء المعري.
ومن عجيب ما علمت أن عبد الله بن عباس حبر الأمة وعالمها الأغر الصحابي الجليل كان قد فقد عينيه كلتيهما، ولما أيقن أنه سيلقى الله كذلك وسيبقى محبوساً وراء الظلمات عن رؤية الحياة والأحياء، تقبل الأمر برضا نفسه وملأ الأرض علماً، ولم يندب حظه العاثر، وتلقى قدره بصدر رحب ورضا عظيم، وظل ينشر المحبة والتراحم، وقد أنشد شعرا يقول فيه:
إن يأخذ الله من عيني نورهما
ففي لساني وسمعي منهما نور
قلبي ذكي: وعقلي غير ذي دخل
وفي فمي صارم كالسيف مأثور
وقال " بشار بن برد - يرد على خصومه الذين نددوا بعماه :
وعيرني الأعداء، والعيب فيهموا ؟
فليس بعار أن يقال : ضرير
إذا أبصر المرء المروءة والتقى
فإن عمى العينين ليس يضير
رأيت العمى أجراً وذخراً، وعصمة
وإني إلى تلك الثلاث فقير
ولا شك أن هذه المشاعر الرائعة المتفائلة تقارع النوازل وتضحى طاقة متفجرة تعين على استئناف الحياة والتغلب على مصاعبها والاستهانة بمخاطرها والسير في مناكبها.
إن أصحاب اليقين هم أولو العزم الذين يلقون الحياة بما في أنفسهم من رحابة قبل أن تلقاهم بما فيها من عنت، فيتحول الظلام نوراً والمحن منحا وأعطيات، فإذا ما دقت فوق رؤسهم يوماً نواقيس الكآبة والأخطار، نظروا إليها من عَلٍ وملأ أشداقهم إبتسامة ساخرة، يقولون لها بلسان الحال والمآل:
مرحباً بك يا نواقيس الخطر الداهم، إن معي ربي سيهدين.
إن الفرق بين رجل كيس وآخر تافه هو القدرة الفائقة، على أن تحيل خسائرك إلى مكاسب وهو أمر يتطلب ذكاء وحذقاً ونفساً متفائلة وعقلاً مستنيرا وقلبا مؤمناً وإرادة صلبة.
وأذكر أن أستاذي -الذي رباني- كان قد أصيب بداء عُضال، وقد أخفى عن الناس جميعاً حقيقة مرضه، ورأيته يواصل الحياة في جد متأصل وعملٍ متواصل يطبب أمراض القلوب والنفوس بكل همته وأقصى طاقته، وقد أيقن أن رسالته هي الهداية إلى طريق النور، فاتخذ من الأخلاق النبيلة والمحبة العظيمة التي غزى بها القلوب والألباب ركابا إلى أهدافه وحول بها الأعداء إلى أصحاب ورفاق، وأصلح بها النفوس فصار الجميع معه وحوله وخلفه رافعين راية الحب والتسامح عالية تعانق السحاب وتصافح النجوم الزواهر، فحول الحاقدين إلى نفوس محبة متعانقة مع الخير فانتصر الحب وتحول الأوغاد إلى أعلام ورفعهم الحب من حضيض الكراهية والتحاسد إلى سماء الأخلاق، ولما علمت بعد سنين عدداً من الزمن بمرضه سألته: لم أخفيت مرضك ؟!
قال أنه يرى أن الإعلان عن مرضه شكاية لربه، وأنه كان يرى في الصبر على مرضه قنطرة العبور إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وأنه أيقن أنه سبيل النور الأبدي والسعادة السرمدية في فجر القيامة، فكيف يتبرم به أو يضيق به ذرعا؟!
وهكذا كان أستاذي من أولى العزم، مات وهو يؤدي رسالته مبتسما، فشيعته القلوب وستظل سيرته العطرة أبد الدهر مثلاً يحتذى ونبراساً يُستضاء به.
من هنا ندرك أن العظمة والسعادة قد أسلمتا قيادهما لأولى العزم الذين حملوا على أكتافهم المسؤوليات ولم يطرحوها وراءهم ظِهرياً، أما عشاق السخط ومدمنوا الشكوى فهم أشقى الناس، إذ جفت لديهم ينابيع السعادة ونضب معينها.
إن استعذاب التمنى واستيطاء مركب العجز وسخف الرأي قائدة أصحابها -لا محالة- إلى الوبال والخزي، فإن أولى العزم في طمأنينة ونعيم في الدارين، أما أهل السخط يقضون حياتهم متبرمين، ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وأفنوا العمر بين الكأس والغانية، مصيرهم حتماً الخسران المبين
"يراجع كتاب جدد حياتك للعلامة الشيخ محمد الغزالي"
فأشقى الناس من يحيا ساخطاً، وتضحي حياته ثقيلة مستوخمة، أما أولو العزم فقلوبهم مطمئنة ونفوسهم ساكنة كأن مُر الحياة أخذ يتحلى لها ويعمل أعماله بها، فكل ما يصدر عنها فيه روح وخلقٌ ينبثق لساعته، ومن هذا تتغير الطبيعة نفسها في الأعين، ألا أنه بالعزمات يحيا الإنسان أكثر من حياة وتكون الطبيعة أكثر مما هي ويزيد كل شيء في حسن أولى العزم العاشقين للحياة المحبين للمجد لأنه هو زادهم بحبهم، فالإيمان الحق يجعل الرجل صلب العود لا يميل مع كل ريح، ولا ينحني مع أي خُلة، وإذا أحصينا الرجال الذين لا يأخذهم الدهش أمام المفاجآت، عرفنا أن لهم من أنفسهم ما يهون عليهم أي مفقود وما يسليهم عن كل فائت، وبهذا الشعور يمكنهم أن يقتحموا كل حصار تضربه عليهم الليالي الكوالح، وإن الجزع والجبن والتحسر وشتى العواطف السلبية التي تنتاب الناس إزاء الملمات مردها إلى لين في عزائمهم، واستسلام لليأس والقنوط والوقوع بين حبائل الشياطين، أما أصحاب العزائم فيحيون في جنة وارفة الظلال لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه وكانوا رجالا أوفياء أصحاب عزيمة لا تلين، من أجل ذلك غيروا وجه الأيام الكوالح
فاللهم إنا نسألك أن تغير ما بأنفسنا وأن تحول حالنا من الضعف إلى القوة ومن العسر إلى اليسر ومن الخوف إلى الأمن ومن اليأس إلى الأمل ومن من الذلة إلى العزة ومن الهزيمة إلى النصر ومن الفرقة إلى الوحدة ومن الغي إلى الرشاد ومن الضلال إلى الهدى ومن الانحراف إلى الإستقامة.
ونسألك أن تجعل مصرنا الحبيبة في أمانك وحرزك وضمانك وأن تحفظ جيوشها وشعبها وأمنها من كل مكروه وسوء وأن ترفع رايتها عالية خفاقة تناطح الجوزاء وتزاحم الشمس عند الجلاء
ونسألك أن تصلي على حبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى من والاه إلى يوم الدين
ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء
المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️