التقيت صديقي الاديب وهو مقطب الجبين مكفهر الوجه وقد أنبأني أنه وقف علي شاطئ البحر فخيل إليه أنه عين تبكي علي الكرة الارضية بكاء علي قدره
وأنه تأمل الجبال فحسبها هموما ثقيله مطبقة علي صدر الارض وأنه فكر في البراكين فألفاها ولوعة أحزانها تثور وتهمد ثم إنه رجع بهذا النظر في الإنسان فاذا له علي قدره بحر وجبال وبراكين فعند الطبيعه لا ألم ولكن نظام وعند الإنسان لانظام ولكنه ألم ثم ذكر أنه لو أتي للأقدار أن تخاطب البائس المتألم لكن الخطاب بينهما جملتين من القدر وحرف واحد من البائس علي هذا النسق القدر هل عرفت كل السر ؟ !
الإنسان لا القدر ويحك فهذا الذي أصابك بعض السر
( يراجع كتاب اوراق الورد للاديب مصطفي صادق الرافعي ص 287 )
ولما سألته عن أسباب ضيقه وتبرمه أنهى إلي أن الكذب قد استشري داء في الامة وأصبح ديدنا وطريقا ومنهاجا فعز الصدق وغاب الصادقون وكثر الخراصون وأردف أن الصدق منزله هي الاعظم منها تنشأ جميع منازل السالكين وهي الطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين وبها تميز اهل النفاق من اهل الايمان وسكان الجنان من اهل النيران وهو سبيل الله تعالي في أرضه الذي ما وضع علي شئ الا قطعه ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه من صال به لن ترد صولته ومن نطق به علت علي الخصوم كلمته فهو روح الأعمال ومحل الأقوال والباب الذي دخل منه الواصلون الي حضرة ذي الجلال وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين ودرجة تالية لدرجة النبوة فعقبت بأن من علامة الصدق طمأنينة القلب إليه
ومن علامات الكذب حصول الريبه كما ورد ف الحديث الشريف ( الصدق طمأنينة والكذب ريبة) أخرجه الترمزي 8/25، وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ( إن الصدق يهدي إلي البر وإن البر يهدي إلي الجنة وإن الرجل ليصدق حتي يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلي الفجور وإن الفجور يهدي إلي النار وإن الرجل ليكذب حتي يكتب عند الله كذابا ) صحيح البخاري حديث 6094 .
ولقد كان استاذي الفقيه الازهري يسمي هولاء كذبذب
والواقع أن الصدق هو الوفاء لله بالقول والعمل وقيل الصدق قول الحق في مواطن الهلكة وقيل كلمة الحق عند من تخاف وترجوه فرد صديقي بان الامام الجنيد قال:إن الكاذب يتلون في حين أن الصادق مستمر علي حالة واحدة واستطرد ان حمل الصدق كحمل الجبال الرواسي لا يطيقه الا اصحاب العزائم أما النفاق والكذب فخفيف كالريشة لا يجد له صاحبه ثقلا البتة فهو حامل له في أي موضع بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة فهو لا يتطلب منه شئ ولا يجد ثقلا بعد ان ماتت القلوب وتكلست الضمائر
وقد ذكر ابراهيم الخواص أن الصادق لاتراه إلا في فرض يؤديه أو فضل يعمل به وذكر الجنيد أن حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب وتذكرت اثرا آلهيا يقول فيه رب العزه من صدقني في سريرته صدقته في علانيته عند خلقي )
( يراجع كتاب مدارج السالكين للعلامة ابن القيم الجزء الثاني من 23 الي 27 )
وذكرت ان مع الصدق تنسكب في القلب نداوة حلوة وود مؤنس وطمأنينة ويقين وقربي نادية وقرار مكين وكيف لا ؟! وهو الدرع الواقي من الزلل والإنهيار فمع الكذب تبقي النفوس المكلومه ثائرة حائرة منزعجة والخواطر مضطربة والحقوق ضائعة ومعه تنتصر قيم القبح والميل والهوي والإنحراف وهو ما يخلق في النفوس عداءات تملأ القلوب بثارات مقيتة وأطماع شخصية وحينها ترفع رايات عنصريه تقوض الصروح وتهدم البناء وتودي بالأمه إلي مهاوي الهزيمه والفناء وبالصدق تصان الأعراض والأموال والدماء إذ هو الوقايه من غوائل الفساد والفوضي والضلال وهو أساس نهضة الامم وبه تتألف القلوب وتلتأم الشعوب ويرتفع التقطاع والتخالف ويعم به التواصل والتجانس فهو الميزان المستقيم الذي لا تميل كفته ولا يضطرب مقياسه ولا يختل قوامه فهو أعظم خصال الإيمان من رام مجانبته
وتعمد مخالفته عرض الحياة للضياع والعمران للخراب والحضاره للدمار والعزه للهوان والكثرة للنقصان والاستقرار للفوضي والحق أنه لا يعرف علي وجه الارض شئ أبعث للشقاء والدماء ولا أنفي للهدوء والاستقرار ولا أضيع للأعراض والأموال من الكذب والضلال الذي تسلب به الحقوق وتضيع به الأمانات ومن نكد الدهر اني عاشرت شخصا كان يحتل وظيفة مرموقة تضفي علي صاحبها ألوانا من المهابة والشموخ وتورثه الحكمه وفصل الخطاب ودأب صاحبنا علي الذهاب إلى الكعبة بين الفينة والفينة إلا أنني لاحظت عليه امريين اولهما:
انه كان يذهب ويجيء وقسمات وجه هي هي لا تزال علي ظلامها السرمدي لم تتغير ولم تتاثر بالنور الذي تنبجس اضواؤه من أرض النور الطاهره الطيبه ولاحظت أيضا أنه كان يمارس ذات أسالبيه الملتوية الظلامية وأكاذيبه المعتادة في الإيقاع بين الناس واختلاق قصص وهمية كاذبة وما أن تنكشف الحقائق ويذهب زبد باطلها جفاء حتي يظهر صاحبنا أسود الوجه مخذولا مذموما مدحورا وتظهر عليه صورة الكذوب الذي يمارس أكاذيبه المفضوحة وماء وضوء عمرته لم يجف بعد وما زال صاحبنا يحيي وبين دفتي نفسه حالة الفصام التي تخلق هوة سحيقه بين القول والعمل .
وهذا طبيب بإحدي المحافظات المجاوره تولي مكان عليا طوعت له نفسه ان ينحي باللائمة علي متهم بريء شاء سوء طالعه أن يتهمه أحد الأشقياء زورا بالإعتداء عليه وسانده الطبيب بأن أثبت بتقريره أن الإصابة التي كان يعاني منها قديما هي إصابة حديثة مخالفا بذلك ضميره وأمانه مهنتة وقسم ابقراط ونسي الجبار الأعلى ونسي المقابر والبلي وعتي وطغي ونسي المبدأ والمنتهي
فما كان من القاضي إلا أن حكم بحبس المتهم البرئ عاما استنادا إلى التقرير الطبي الفني فلما وجد المتهم البرئ نفسه خلف الأسوار اتجه بقلبه إلي السماء التي استحت أن تبقي مغلقة الأبواب في وجهه فسقط الطبيب المذكور مغشيا عليه بعد انتهاء الجلسه ونقل الي القصر العيني ليبقي رهين محبسه علي سرير المرض بداء عضال ومن العجيب أنه لم يخرج من مشفاه إلا يوم خرج المتهم البرئ من محبسه يوما بيوم وساعة بساعة قصاصا عادلا من عدالة قدسية الأحكام والميزان وأيقنت ساعتها أن من اساء فلا يستنكر الجزاء وأن من اخذ عزا بغير حق أورثه الله ذلا بحق وما كان ربك نسيا .
وتذكرت انني تعرفت في بداية حياتي برجل جمع أطراف المجد بين يديه وانه كان بارعا في تجميل صورته حتي شخصت إليه الأبصار وحنت إليه القلوب والأفئدة وآوي إليه الطامعون من كل حدب وصوب يحجون إليه زرافات ووحدانا طالبين القوة وطامعين في مغانم كان يملك مفاتيحها باقتدار وكان يظهر سمات من الطهر والنقاء لا تتوافر إلا للزهاد والنساك فكنت تراه ثري الأعراق مستيقن الوداد مكفوف البوائق مصروف الغوائل مأمون الخيانة وما أن توطدت علاقتي به حتي فجعت بصدمة مروعة: إذ طلب إلي أن اشهد زورا علي واقعة اعتداء تمت عليه من أحد الأشخاص بفاحش القول وأقذع الشتائم بسب علاقات مادية تجارية مشبوهة وأقسم بأغلظ الأيمان بأن الواقعه قد حدثت بالفعل وأنه يطلب مني شهادة في مذكرة مكتوبة أقر فيها بأن هذا الشخص قد اعتدي عليه بالفعل ولما أبيت بكل ما اوتيت من قوة مترفعا عن هذا الفعل الدنيئ انهارت علاقتي به بعد ان كشف عن وجهه القبيح وسليقته التي طبع عليها وإن هي إلا أشهر معدوده حتي أقصي هذا العتي من مكانه بعد محاكمة عادلة ففر منه الناس جميعا وظل يجر أذيال الخيبة والندامة بعد أن سقطت عنه ورقة التوت التي كانت تستر عورته فأصبح كما مهملا لا يؤب له وتلك عقبي التعدي.
وهنا أدركت يقينا أنه إذا أسندت إلي صغار النفوس وظائف كبري كبرت بها رذائلهم لانفوسهم فإن النفوس العالية لا تكبر إلا في ظلال الصدق وتحت رايته وتستمد النور من دوحته الغناء وقد نحتت من صخر الحياة الشريفة ونمت في أرض الطهر والصدق والعفاف.
فاللهم اكتبنا لديك من الصادقين الأبرار اللذين صدقوا في سريرتهم فصدقتهم في علانيهم عند الخلق واجعلنا ممن نالوا الرضا بالوفاق وحازوا مراتب السباق في ضياء نور الصدق والإشراق في نعيم لا يحاط.
وصل علي نبي الصدق صلي الله عليه وسلم ماهبت النسائم وما ناحت علي الأيك الحمائم.
🌹مستشار عادل الرفاعي🌹
لمتابعة مقالات المستشار عادل رفاعي اضغط https://www.ahramasr.com/2026/04/blog-post_21.html
