نمت البارحة بعد صراع طويل مع الأخبار والأفكار والنفس، وإذا برحال أحلامي قد حطت حيث أستاذي بالعالم الآخر فألفيته في روح وريحان وجنة نعيم، مشرق الوجه صبوح الطلعة، فربت على كتفي وأبلغني أن خلاص البشرية وقارب النجاة لسكان الأرض أن يلوذوا بالأخلاق، وأردف أن الله تعالى حينما كرم نبيه صلى الله عليه وسلم، وصفه:
(وانك لعلى خلق عظيم) القلم ٤".
والخُلق العظيم هو الدين العظيم وآداب القرآن، والمعنى: أنك لعلى الخلق الذي آثرك الله به في القرآن الكريم، وفي الصحيحين: أن هشام بن حكيم سأل أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقالت:
(كان خُلقه القرآن) أخرجه مسلم حديث ١٣٩".
وأكد ان الله تعالى قد جمع لرسوله صلى الله عليه وسلم مكارم الأخلاق في قوله تعالى:
(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) الأعراف ١٩٩
وقد ذكر جعفر بن محمد:
أنه لما نزلت هذه الآية سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال:
(إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك) أورده ابن كثير في التفسير.
وقد ذكر أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس خلقا، وقال ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي قط: أف
ولا قال لشيء فعلته لما فعلته، ولا لشيء ما فعلته: لما فعلت كذا؟
أخرجه البخاري حديث ٣٥٦١ ومسلم ٨١
واستطرد يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر ( أن البر هو حسن الخلق)
وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال:
(سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم؟
فقال:
البر حُسن الخُلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) صحيح أخرجه مسلم ١٤ والترمذي ٢٣٨٩.
فقابل البر بالإثم وأخبر أن البر حسن الخلق، والإثم حواز الصدور، وهذا يدل على أن حسن الخلق هو الدين كله، وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، ولهذا قابله بالإثم.
وفي حديث آخر: البر ما اطمأنت به النفس والإثم ما حاك في الصدر
أخرجه أحمد في المسند ٤ / ١٩٤
وقد فسر حسن الخلق بأنه البِر، فدل أن حسن الخلق: طمأنينة النفس والقلب، والإثم حواز الصدور وما حاك فيها واسترابت به، وهذا غير حسن الخلق وسوئه، في عرف كثير من الناس.
كما سيأتي في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(خياركم أحاسنكم أخلاقا) حديث صحيح أخرجه البخاري ٦٠٣٥.
فذكرت لأستاذي أن أبا الدرداء رضي الله عنه، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وأن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء) رواه الترمذي ٢٠٠٢
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال:
(تقوى الله وحسن الخلق)
وسؤل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟
فقال: (الفم والفرج) صحيح أخرجه الترمذي حديث ٢٠٠٤.
وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، إن من أكمل المؤمنين إيمانا:
أحسنهم خُلقا.
وخياركم: خياركم لنسائهم.
صحيح أخرجه أبو داود ٤٦٨٢ والترمذي ١١٦٢.
وأكدت له أنه في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم:
(إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) صحيح أخرجه أبو داود حديث ٤٧٩٨.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم:
( أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) أخرجه أبو داود حديث ٤٨٠٠".
وفي الترمذي عن جابر رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم:
( إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟
قال: المتكبرون.
أخرجه الترمذي حديث ٢٠١٨".
فرد أستاذي أن الثرثار هو كثير الكلام بغير فائدة، والمتشدق المتكلم بملئ فيه تفاصحا وتعاظما وتطاولا، واظهارا لفضله على غيره ، وأكد أن الدين كله خُلق، وقيل أن حسن الخلق بذل الندى، وكف الأذى واحتماله، وقيل: حسن الخلق
بذل الجميل وكف القبيح.
وقيل: التخلي من الرذائل والتحلي بالفضائل.
ولما سألته عن أركان حسن الخلق؟
قال: حسن الخلق يقوم على أربعة أركان
الصبر والعفة والشجاعة والعدل.
فالصبر يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناه والرفق وعدم الطيش والعجلة،
والعفة: تحمله غلى اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله على الحياء وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة.
والشجاعة تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى
فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها، ويكبح بلجامها عن النزغ والبطش، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) أخرجه مسلم حديث ١٠٧
وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه
والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة، وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس.
ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة
ولما سألته عن أركان الأخلاق السافلة؟
قال: منشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان
١- الجهل
٢- الظلم
٣- الشهوة
٤- الغضب
وذكر أن الجهل يريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، والكمال نقصاً والنقص كمالا.
كما أن الظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع الرضا، ويرضى في موضع الغضب.
ويجهل في موضع الأناة ويبخل في موضع البذل ويبذل في موضع البخل،
ويحجم في موضع الإقدام، ويقدم في موضع الإحجام، ويلين في موضع الشدة، ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع.
كما أن الشهوة تحمله على الحرص والشُح والبُخل، وعدم العفة والنهمة والجشع والذل والدناءات كلها.
وأن الغضب يحمله على الكبر والغل والحسد والعدوان والسفه، وأنه يتركب من بين كل خلقين من هذه الأخلاق، أخلاق مذمومة، ولما سألته وما مِلاك هذه الأربعة؟
قال: ملاكها أصلان: إفراط النفس في الضعف وافراطها في القوة، فيتولد من افراطها في الضعف المهانة والبخل والخِسة واللؤم والذل والحرص والشُح، وسفساف الأمور والأخلاق، كما يتولد من افراطها في القوة: الظلم والغضب والحدة والفُحش والطيش، كما يتولد من تزوج أحد الخلقين بالآخر: أولاد غية كثيرون، فإن النفس قد تجمع قوة وضعفا، فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر، وأذلهم إذا قهر، ظالم عنوف جبار، فإذا قُهِر صار أذل من امرأة: جبانٌ عن القوي، جريء على الضعيف، فالأخلاق الذميمة إنما يولد بعضها بعضاً، وكذلك الأخلاق الحميدة يولد بعضها بعضاً.
وسألته ما حقيقة الأخلاق المحمودة؟
قال:
كل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين، وهو وسط بينهما، وطرفاه خلقان ذميمان: كالجود الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير، والتواضع: الذي يكتنفه خلقا الذل والمهانة والكبر والعلو.
وغني عن البيان أن النفس متى انحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين، ولابد فإذا انحرفت عن خلق التواضع، انحرفت اما إلى كبر وعلو، واما إلى ذل ومهانة وحقارة.
وإذا انحرفت عن خلق الحياة انحرفت إما إلى قحة وجرأة وإما إلى عجز وخور ومهانة، بحيث يطمع في نفسه عدوه، ويفوته كثيرٌ من مصالحه، ويزعم أن الحامل له على ذلك الحياء، وانما هو المهانة والعجز وموت النفس.
وكذلك إذا انحرفت عن خلق الصبر المحمود، انحرفت إما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط، وإما إلى غلظة كبد وقسوة كبد وتحجر طبع.
وإذا انحرفت عن خلق الحلم، انحرفت إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة، وإما إلى الذلة والمهانة والحقارة، ففرق بين من حلمه حلم ذل ومهانة وحقارة وعجز، وبين من حلمه حلم اقتدار وعزة وشرف.
وإذا انحرفت عن خلق الأناة والرفق، انحرفت إما إلى عجلة وطيش وعنف، وإما إلى تفريط وإضاعة والرفق والأناة بينهما.
أما إذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله للمؤمنين، إما إلى كبر وإما إلى ذل، والعزة المحمودة بينهما، وإذا انحرفت عن خلق الشجاعة، انحرفت إما إلى تهور واقدام غير محمود، وإما إلى جبن وتأخر مذموم، وإذا انحرفت عن خلق المنافسة في المراتب العالية والغبطة، انحرفت إما إلى حسد وإما إلى مهانة وعجز وذل ورضا بالدون، وإذا انحرفت عن القناعة انحرفت إما إلى حرص وكلب وإما إلى خسة ومهانة وإضاعة.
وإذا انحرفت عن خلق الرحمة، انحرفت إما إلى قسوة وإما إلى ضعف وجبن نفس كمن لا يقدم على ذبح شاة، ولا إقامة حد ولا تأديب ولد، ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك، وقد ذبح أرحم الخلق صلى الله عليه وسلم في موضع واحد ثلاثة وستين بدنة. صحيح أخرجه البخاري حديث ١٧١٤
كما قطع الأيدي من الرجال والنساء وضرب الأعناق وأقام الحدود ورجم بالحجارة حد الموت، وكان أرحم خلق الله على الإطلاق وأرأفهم.
وكذلك طلاقة الوجه والبشر المحمود، فإنه وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير الخد، وطي البشر عن البشر، وبين الاسترسال بذلك مع كل أحد بحيث يذهب الهيبة ويزيل الوقار، ويطمع في الجانب
كما أن الانحراف الأول يوقع الوحشة والبغضة والنفرة في قلوب الخلق، والخلاصة أن صاحب الخلق الوسط مهيب محمود عزيز جانبه، حبيب لقاؤه، وفي صفة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛
(أن من رآه بديهة هابه، ومن خالطه عشرة أحبه) أخرجه الترمذي حديث ٣٦٤٢
فلما سألته عن أفضل ما يصل به السالك مع تلك الأخلاق ويكون سيره أقوى وأجل؟
فرد قائلا:
هب أن هناك نهرا يجري في صببه ومنحدره ومنته إلى تغريق أرض وعمران ودور، وأصحابها يعلمون أنه لا ينتهي حتى يخرب دورهم ويتلف أراضيهم وأموالهم د، فانقسموا إلى ثلاث فرق:
١ فرقة صرفت قواها وقوى أعمالها إلى حبسه وإيقافه، فلا تصنع هذه الفرقة كبير أمر فإنه يوشك أن يجتمع ثم يحمل على الحبس فيكون إفساده وتخريبه أعظم.
٢ وفرقة رأت هذه الحالة وعلمت أنه لا يغني عنها شيئاً فرأت ألا خلاص من محذوره إلا بقطعه من أصل الينبوع
فرامت قطعه من أصله فتعذر عليها ذلك، إذ أبت الطبيعة النهرية عليهم، فكلما سدوه من موضع نبع من موضع، فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار
فجاءت فرقة ثالثة فاخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهى إلى العمران، فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه، ولا يتضررون به، فصرفوه إلى أرض قابلة للنبات وسقوها به، فأنبتت أنواع العشب والكلأ والثمار المختلفة الأصناف، فكانت هذه الفرقة هم أصوب الفرق في شأن هذا النهر.
فإن حكمة الله قد اقتضت أن ركب الإنسان وسائر الحيوان على طبيعة محمولة على قوتين: غضبية وشهوانية
وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها وهما مركوزتان في جبلة كل حيوان، فبقوة الشهوة والإرادة يجذب المنافع إلى نفسه، وبقوة الغضب يرفع المضار عنها، فإذا استعمل الشهوة في طلب ما يحتاج إليه تولد منها الحرص، وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه تولد منها القوة والغيرة، فإذا عجز عن ذلك الضار، أورثه قوة الحقد وإن اعجزه وصول ما يحتاج إليه، ورأى غيره مستبدا به أورثه الحسد، فإن ظفر به اورثته شدة شهوته وارادته خلق البخل والشح، وإن اشتد حرصه وشهوته على الشيء ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية، فاستعملها فيه أورثه ذلك العدوان والبغي والظلم، ومنه يتولد الكبر والفخر والخيلاء، فإنها أخلاق متولدة من قوتي الشهوة والغضب، وتزوج أحدهما بصاحبه، فإذا تبين هذا فالنهر مثال هاتين القوتين.
وهو منصب في جدول الطبيعة ومجراها إلى دور القلب وعمرانه وحواصله، يخربها ويتلفها، فالنفوس الجاهلة الظالمة تركته ومجراه، فخرب ديار الإيمان وقلع آثاره، وهدم عمرانه، وأنبت موضعها كل شجرة خببثة من حنظل وضريع وشوك وزقوم، وهو الذي يأكله أهل النار يوم القيامة يوم المعاد.
فسألته وما حال النفوس الذكية؟
قال: إن النفوس الذكية الفاضلة رأت ما يؤول إليه أمر هذا النهر، فافترقوا ثلاث فرق:
١- فأصحاب الرياضات والمجاهدات والخلوات والتمرينات راموا قطعة من ينبوعه، فأبت عليهم ذلك حكمة الله تعالى وما طبع عليه الجبلة البشرية، ولم تنقد له الطبيعة، فاشتد القتال ودام الحرب وحمي الوطيس، وصارت الحرب دولا وسجالا، وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهدة النفس على إزالة تلك الصفات
٢- وفرقة أعرضوا عنها وشغلوا نفوسهم بالأعمال ولم يجيبوا دواعي تلك الصفات، مع تخليتهم إياها على مجراها، لكن لم يمكنوا نهرها من إفساد عمرانهم، بل اشتغلوا بتحصين العمران، وإحكام بناه وأساسه، ورأوا أن ذلك النهر لابد أن يصل إليه، فإذا وصل، وصل إلى بناء محكم فلم يهدمه، بل أخذ عنه يمينا و شمالا، فهؤلاء صرفوا قوة عزيمتهم وارادتهم في العمارة وإحكام البناء، وأولئك صرفوها في قطع المادة الفاسدة من أصلها خوفا من هدم البناء.
٣- وهناك الفرقة الثالثة التي رأت أن هذه الصفات ما خلقت سدى ولا عبثاً، وأنها بمنزلة ماء يسقي به الورد والشوك والثمار والحطب، وأنها صوان وأصداف لجواهر منطوية عليها، وأن ما خاف منها أولئك هو نفس سبب الفلاح والظفر، فرأوا أن الكبر نهر يسقى به العلو والفخر والبطر والظلم والعدوان، ويسقى به علو الهمة والأنفة والحمية والمراغمة لأعداء الله وقهرهم والعدو عليهم، وهذه درة في صدفته، فصرفوا مجراه إلى هذا الغراس، واستخرجوا هذه الدرة من صدفته، وأبقوه على حاله في نفوسهم، لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع.
(وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا دجانة يتبختر بين الصفين، فقال:
إنها لمشية يبغضها الله، إلا في مثل هذا الموضع) أخرجه الطبراني في الكبير ٧ / ١٢٣ والبيهقي في دلائل النبوة ٣ / ٢٣٤
فانظر كيف خلى مجرى هذه الصفة وهذا الخلق يجري في أحسن موضعه.
وفي الحديث
إن من الخيلاء ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله، فالخيلاء التي يحبها الله اختيال الرجل في الحرب وعند الصدقة
أخرجه أحمد في المسند ٥ / ٤٤٥
فانظر كيف صارت الصفة المذمومة عبودية ؟! وكيف استحال القاطع موصلا؟
فلما سألته وما السبيل إلى تزكية النفوس؟
قال: أصعب من علاج الأبدان وأشد، بالرياضة والمجاهدة والخلوة.
فلما سألته هل يقع الخلق كسبيا ام هو خارج عن الكسب؟
قال: يمكن أن يقع كسبيا بالتخلق والتكلف حتى يصير له سجية وملكة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج بن عبد القيس رضي الله عنه:
إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة، فقال: أخلقين تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟
فقال: بل جبلك الله عليهما
فقال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله
أخرجه مسلم حديث ٢٥ وأحمد في المسند ٤ / ٢٠٥ .
فلما سألته عن درجات الخلق؟ قال إن الإمام الهروي ذكر أن الخلق على ثلاث درجات:
الأولى أن تعرف مقام الخلق وأنهم بأقدارهم مربوطون، وفي طاقتهم محبوسون وعلى الحكم موقوفون، فتستفيد بهذه المعرفة ثلاثة أشياء:
١- أمن الخلق منك حتى الكَلَّب
٢- محبة الخلق إياك
٣ - نجاة الخلق منك
وقد ذكر الإمام الهروي أن للعبد أحد عشر مشهداً فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه، فسألته وما تلك ؟ قال:
١- مشهد القدر: وأن ما جرى بمشيئة الله وقضائه وقدره، كالتأذي بالحر والبرد والمرض والألم وهبوب الرياح وانقطاع الأمطار، فإن الكل اوجبته مشيئة الله
٢- المشهد الثاني: مشهد الصبر، فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور، ويخلصهم من ندامة المقابلة والانتقام.
٣- المشهد الثالث: مشهد العفو والصفح والحلم، فإنه ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا. أخرجه مسلم حديث ٦٩
٤- المشهد الرابع: مشهد الرضا وهو لا يكون إلا للنفوس المطمئنة
٥- المشهد الخامس: مشهد الاحسان، فيسحن إلى من أساء إليه
٦- المشهد السادس: مشهد السلامة وبرد القلب، وهذا مشهد شريف جدا لمن عرفه وذاق حلاوته
٧- المشهد السابع: مشهد الأمن فإذا ترك المقابلة والانتقام، أمن من هو أشر من ذلك، وإذا انتقم وقعه الخوف
٨- المشهد الثامن: مشهد الجهاد، وهو أن يشهد تولد أذى الناس له من جهاده في سبيل الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإقامة دين الله وإعلاء كلماته،
وصاحب هذا المقام اشترى الله منه نفسه وماله وعرضه بأعظم ثمن
٩- المشهد التاسع: مشهد النعمة، وذلك من عدة وجوه:
١ أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلوماً يترقب النصر ولم يجعله مظلوما يترقب المقت.
٢ أن يشهد نعمة الله عليه في التكفير بذلك من خطاياه
فإنه ما أصاب المؤمن من هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله بهما خطاياه
٣ أن يشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها، فإنه ما من محنة إلا وفوقها ما هو أقوى منها وأمر
٤ توفيه أجرها وثوابها يوم الفقر والفاقة، وفي بعض الآثار: أنه يتمنى أناس يوم القيامة لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء، فالعاقل يعد هذا ذخرا ليوم الفقر والفاقة ولا يبطله بالانتقام الذي لا يجديه نفعا
١٠- المشهد العاشر: مشهد الأسوة، فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة بأنبيائه وأوليائه وخاصته من خلقه، فإنهم أشد الخلق امتحانا من الناس، وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور
١١- المشهد الحادي عشر: مشهد التوحيد وهو أجل المشاهد وأرفعها، فإذا امتلأ قلبه بمحبة الله والإخلاص له وإيثار مرضاته والتقرب إليه والأنس به واتخذه ولياً ورضي بقضائه ، وفني بحبه وخوفه ورجائه وذكره والتوكل عليه عن كل ما سواه، فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له البتة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فلما سألته عن الدرجة الثانية؟ قال: تحسين خلقك مع الخلق وتحسينه منك أن تعلم كل ما يأتي منك يوجب عذرا، وأن كل ما يأتي من الحق يوجب شكرا، وأن لا ترى له من الوفاء بُدّا
ولما سألته عن الدرجة الثالثة؟ قال:
١ التخلق بتصفية الخلق
٢ الصعود عن تفرقة التخلق
٣ التخلق بمجاوزة الأخلاق
فهو يصفي الخلق من كل شائبة وقذى ومشوش، فإن فعل ذلك صعد من تفرقته إلى جمعيته على الله، فإن التخلق تهذيب واستعداد للجمعية، واشتغال بالرب وحده عن من سواه
ثم مجاوزة الأخلاق كلها بأن يغيب عن الخلق والتخلق وذلك بالاشتغال بالله عز وجل عن كل ما سواه، والفناء في الفردانية التي يسمونها حضرة الجمع وهي أعلى الغايات، فإذا تعرض لها العبد وصدق في الطلب، ظُفِر بمطلوبه.
فلما سألته الخلاصة؟ قال:
مدار حسن الخلق مع الحق ومع الخلق، أن تكون مع الحق بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس، فإنما فساد الخلق إنما ينشأ من توسط الخلق بينك وبين الله تعالى، وتوسط النفس بينك وبين خلقه، فمتى عزلت الخلق حال كونك مع الله تعالى، وعزلت النفس حال كونك مع الخلق، فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم وشمّروا إليه وحاموا حوله.
ثم تبخر أستاذي كعادته وانصرف راشدا.
طبت حياً وميتا يا أستاذي ورحمك الله رحمة واسعة
فيا بني وطني لا أقول لكم في النهاية إلا كما قال أمير القوافي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُو ذهبت أخلاقهم، ذهبوا
"يراجع كتاب مدارج السالكين الجزء الثاني للعلامة ابن القيم"
فاللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء ونعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق وجهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء.
اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بنا قلوبنا وتجمع بها أمرنا وتلم بها شعثنا وترد بها غائبنا وترفع بها شاهدنا وتزكي بها عملنا وتلهمنا بها رشدنا وترد بها ألفتنا وتعصمنا بها من كل سوء
اللهم أعطنا إيمانا ويقينا ليس بعده كفر ورحمة ننال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة، ونسألك الفوز في القضاء ونزل الشهداء وعيش السعداء والنصر على الأعداء
اللهم انصر مصرنا واجعلها في حرزك وأمانك وضمانك واحفظها من كل مكروه وسوء وارفع رايتها عالية خفاقة تناطح الجوزاء وتزاحم الشمس عند الجلاء
ونسألك أن تصلي على حبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى من والاه إلى يوم الدين
ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك
ما طلعت شمس النهار و ما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء
المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️
