📁 آخر الأخبار

🌻🤍📜 سمو الفقر ٢ 🌻🤍📜 بقلم المستشار عادل رفاعي

  


عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:

اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثّر في جنبه، فلما استيقظ جعلت امسح جنبيه وقلت:

يا رسول الله، إلا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئاً؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مالي وللدنيا ؟! 

إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها 

(رواه الترمذي في سننه) "٤/١٥٨٨" رقم " ٢٣٧٧"


وقالت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها:

لم يمتلئ جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعا قط.

وأنه كان في أهله لا يسألهم طعاماً ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب.

وقالت:

ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين، حتى قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعنها: كنا - آل محمد - نمكث شهرا ما نستوقد بنار إن هو إلا التمر والماء.

وقالت: 

ما رفع صلى الله عليه وسلم قط غداءً لعشاء، ولا عشاء لغداء،

ولا اتخذ من شئ زوجين، لا قميصين ولا رداءين ولا إزارين ولا زوجين من النعال، وأنه توفي صلى الله عليه وسلم وليس عندها شيء يأكله ذي كبد، إلا في شطر شعير في رف لها.


وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير 


وعن ابن عباس رضي الله عنه:

كان رسول الله صلى الله عليه يبيت الليالي المتتابعة وأهله طاوياً لا يجدون عشاء، وإنما كان خبزهم الشعير.


وعن الحسن قال:

خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

ما أمسى في آل محمد صاع من طعام وأنها لتسعة أبيات


وعن ابن مجير قال:

(أصاب النبي صلى الله عليه وسلم جوعٌ يوماً، فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه)

 ثم قال:

(ألا رُب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة

ألا رُب مكرم نفسه وهو مهين لها، ألا رب مهين نفسه وهو مكرم لها)


وخُيّر صلى الله عليه وسلم أن يكون له مثل أحد ذهبا

فقال: لا يا رب، أجوع يوماً فأدعوك واشبع يوماً فأحمدك.


وها هو صلى الله عليه وسلم يعلنها في سمع الزمان:

اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين.


إنه تحرر الغني العفيف، لا الفقير المتطفل، تحرر القوي المتمكن، لا الضعيف الهزيل.

إنه تحرر من ملك مما ملك، حرية القادر لا العاجز


ولقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم غنياً، أغناه الله عمن سواه،

إذ كان في البدأ يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط، وهي رعاية بأجر مناسب للمهمة والمكان والزمان والقائم بهذه المهمة، ثم أغناه بأن صار تاجرا في تجارتهم وركب في قوافلهم إلى الشمال في الشام والجنوب في اليمن، ثم أغناه الله تعالى بمال خديجة، وبما أفاء الله عليه من الغنائم

"يراجع تفسير الكشاف الزمخشري  ٤/ ٧٦٨" 


وفي ذلك يقول الله تعالى:

(ووجدك عائلا فأغنى)


وما أحاديث الزهد إلا في إطار تربية المجتمع على تملك المال في يده، لا تحكمه في قلبه، فهو صلى الله عليه وسلم القائل:

(ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس)

"رواه البخاري  ٥/ ٢٣٦٨  رقم ٦٠٨١"


وهو صلى الله عليه وسلم القائل:

(قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه)

"رواه مسلم ٢/ ٧٣٠ رقم ١٠٥٤"


والواقع أن غناه صلى الله عليه وسلم كان قبل كل شيء هو غنى النفس، والإستغناء عن الناس، ويكفي أنه أجودهم، فقد كان أجود من الريح المرسلة، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر والفاقة، وكان ينفق ماله كله في معاونة الضعفاء والفقراء، وكان بحق أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها إطراحا، كما هو معلوم من سيرته، ولما خُيِّر بآخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله تعالى، اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية.


"يراجع كتاب معالم الحرية في الشخصية النبوية لشريف إبراهيم الجزء الثاني"


إن محمداً صلى الله عليه وسلم وحده هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة، وأنه وحده هو الذي يكافئ هذه الرسالة الكونية العالمية الإنسانية حتى لتتمثل في شخصه حية تمشي على الارض في إهاب إنسان.


ومما وعت ذاكرتي ما رواه لي شيخي وأنا لم أزل صبياً، أن أحد المتطفلين ذهب إلى النبي صلّى الله عليه وسلم يطلب لقيمات لعشائه فقال:

أعطني يا رسول الله مما أعطاك الله

فما كان من النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم إلا أن عطاه من حر ماله غنماً كانت بين جبلين، وهو ما ندرك معه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من الكمال والجمال والعظمة والشمول والصدق والسخاء استحق معه أن يثني الله تعالى عليه في محكم التنزيل مكرما إياه إلى يوم الدين:

(وانك لعلى خلق عظيم) القلم ٤".


هذا هو سيد الأمة أشرق صفاء نفسه على تراب الأرض، فرده أشعة نور، على حين يلقي الناس على هذا التراب، من ظلام أنفسهم فلا يبقى ترابا بل يرجع ظلاما، فكأنهم إذ يمشون عليه يطئون المجهول بخوفه وروعته، ثم لا يستقر ظلاما بل يرجع آلاما فكأنهم ينبتون على المرض لا على الحياة، ثم لا يثبت آلاما، بل يتحول فورة وتوثباً نزوات الحمق والجنون في النفس.


هؤلاء الذين تعيش أنفسهم في التراب، ويتمرغون بأخلاقهم فيه، ينقلبون على الحياة من صنع التراب ناسا، دودوا، كطبع الدود، لا يقع في شيء إلا أفسده أو قذره

أو قوما سوسا كطبع السوس، لا ينال من شيء إلا نخره أو عابه، فهم يوقعون الخلل في نظام أنفسهم، فإذا هي طائشة تخيل لهم كأنما اختلت نواميس الكون، وكأن الله تعالى قبضهم وبسط غيرهم، وشغلهم وفرغ من عداهم، وابتلاهم على مسكة الرزق، بالشهوة المسعورة التي لا تتحقق، فضربهم بالمجاهدة التي لا تنقطع، وأنعم على غيرهم في بسطة الرزق.

الشجرة المسحورة التي لا تقطع منها ثمرة إلا نبت غيرها في مكانها.

إن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يجعل نفسه في هم المال، ولا جعلته نفسه في هم الفقر، وأنه لقى الحياة حاملاً لا محمولاً، واستقر فيها هادئاً لا مضطرباً، ليثبت ذلك كله للدنيا أنه خُلِق وبعث وعاش ليكون مصلحا ومعلما يعلم الناس أن المشاكل لا تتعقد بطبيعتها ولكن بطبائعهم فيها، ولا تستمر بقوتها ولكن بإمداد قواهم لها، ولا تغلب بصولتها ولكن بجزعهم منها، ولا تعضل من ذات نفسها، ولكن من سوء أثرهم عليها، وسوء نظرهم لأنفسهم ولها.

المسألة ليست خبز شعير ولا جوعٍ ولا رهن درع عند اليهودي، بل هناك حقيقة نفسية عقلية ثابتة متزنة، قائمة بعناصرها السامية من اليقين والعقل والحكمة إلى الرفق والحلم والتواضع.

ليثبت للدنيا أن ذلك النبي العظيم هو الرجل الاجتماعي التام بأخلاقه وفضائله وهو الذي بّعث لتنقيح غريزة تنازع البقاء، وكسر هذه الحيوانية، وقمع نزواتها وإماتة دواعيها، والسمو بخواطرها.


فهو بنفسه صورة الكمال الذي بُعِث لتحقيقه، وإثبات أنه الممكن لا الممتنع، والحقيقي لا الخيالي، وأن النصر في معركة الحياة لا يأتي من المال والثراء والمتاع، ولكن من المعاناة والشدة والصبر، وأن التقدم الإنساني لا يباع بيعاً ولا يؤخذ هونا، بل هو انتزاع من الحوادث بالأخلاق التي تتغلب على الأزمات ولا تتغلب الأزمات عليها، وأن هذا المال وهذه والشهوات لا تكون كنوزاً إلا في مواضيعها من أرض الغفلة والنوم، فلا لذة منها إلا بمقدار خفيف من هذه الغفلة، وليس إلا الاحمق أو المخذول أو الضائع، هو الذي يقطع العمر نائما أبدا، ليظل مالكا أبدا لهذه الكنوز، وهو يعلم أنه لا بد مستيقظ.

 وأنه متى انتبه في آخرته لم يجد منها شيئا

"ووجد الله عنده فوفاه حسابه" 


وهذا النبي العظيم يرهن درعه ويأكل خبز الشعير، ويحيا في قلة وضيق، وهو لو شاء لمشى على أرض من الذهب، فهو يُعلّم الإنسانية أن الرجل العظيم النفس، لا يكون في الحياة إلا ضيفا نازلا على نفسه، وقد تخلص من الكبرياء والطمع وجاهد نفسه، ومجموع هذه الرموز رمز بحاله على وجوب الايقاظ النفسي للأمة العزيزة التي تقود أنفسها بمقاساة الشدائد ومجاهدة الطباع، لتكون في كل فرض مادة الجيش وليصلح هذا الجيش قائدا للإنسانية.


وحين يكون سيد الأمة وصاحب شريعتها رجلاً فقيراً عاملًا مجاهدا يكدح لعيشه، يجوع يوما ويشبع يوما، فلم يقلب يده في تلال من المال يرثه ثم يورثه لأبنائه، ليضرب المثل والقدوة على ألا يتخذ الغني من الفقير عبدا اجتماعيا لفقر هذا ولمال ذاك، بل هي المساواة النفسية لا غيرها ولأن اختلفت طبقات الاجتماع، والاكرم هو الاتقى لله بمعنى التقوى، والأقوم بالواجب على معنى الواجب والأكفأ للإنسانية في معاني الإنسانية، والخلاصة أن فقر ذلك السيد الاعظم ليس فقرا، بل هو ضبط السلطة الكائنة في طبيعة التملك، لقيام التعاون الإنساني على أساسه العملي هو المحاجزة العادلة بين المصالح الاقتصادية الطاغية يمنع أن تأكل مصلحةٌ مصلحة، فتهلك بها ويوجب أن تلد المصلحة مصلحة لتحيا بها، والنبي الفقير العظيم صلى الله عليه وسلم هو في التاريخ من وراء كل هذه المعاني كالقاضي الجالس وراء مواد القانون.


"يراجع كتاب وحي القلم للأديب مصطفى صادق الرافعي الجزء الثاني"


ولله در أمير الشعراء أحمد شوقي إذ قال في قصيدته الهمزية النبوية:


بك يابن عبد الله قامت سمحة

بالحق من مِلل الهدى غرّاء

فرسمت بعدك للعباد حكومة

لا سوقة فيها ولا أمراء

الله فوق الخلق فيها وحده

والناس تحت لوائها أكفاء 

والدين يسر والخلافة بيعة

والأمر شورى والحقوق قضاء 

والبر عندك ذمة وفريضة

لا منة ممنونة وجباء

جاءت فوحدت الزكاة سبيله

حتى التقى الكرماء والبخلاء 

أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى

فالكل في حق الحياة سواء

فلو أن انسان تخير ملة 

ما اختار إلا دينك الفقراء


اللهم ردنا إلى دينك وكتابك وهدي نبيك العظيم صلى الله عليه وسلم واحفظ أمتنا من كل مكروه وسوء وارفع رايتها عالية خفاقة تناطح الجوزاء وتزاحم الشمس عند الجلاء واجعلها في أمانك وضمانك وحرزك إلى يوم الدين 

وصلى اللهم وسلم على نبينا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى من والاه إلى يوم الدين 


ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم 

ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر 

ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر 

ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء.


المستشار:  عادل رفاعي 🌹 ❤️

تعليقات