الفقر متى ألقيته سؤالاً عاد إليك بجواب نفسه، لأنه فصل من كل عمل، كالشتاء فصل من كل سنة، وليس في الناس جميعاً من يصدق إذا ادعى أنه لا يعرف الفقر، غير اثنين لا خير فيهما:
غني جُن من فرط الغنى، وفقير جُن من فرط الفقر، فالأول لا يعرف هذا الفقر في جنونه لأنه جُن بغيره، والثاني لا يعرفه لأنه جُن به.
وإذ التقيت صديقي الأديب الفذ اليوم عقب صلاة الجمعة بادرته بالسؤال… من هو الفقير ؟
فرد:
أنه الكائن الضعيف الذي أحاط به الجهل حتى إنه ليجهل نفسه، وأينما يولِ وجهه أشاح عنه الناس بوجوههم، فلووا رؤوسهم، وصعروا خدودهم وأمالوا أعناقهم، حتى كأن كل رأس في التواء عنقه من الأنفة والاستكبار يمثل علامة استفهام أقامتها الحياة في وجه هذا المسكين، أو يقيم علامة إنكار…؟!
وأردف.. من هو هذا الحي الذي تنكرت له الدنيا حتى أصبح فيها كأنه نوع شاذٌ من الخلق يقوى على كل شيء حتى الطبيعة، ولكنه يضعف عن شيء واحد وهو الغنى، فقضت عليه شرائع الإجتماع أن ينفق من حياته أضعاف ما يكسب لحياته، فهو إذا كدح في العمل طوال يومه، فقوت هذا اليوم عليه كثير، وإذا لم يجد ما يطعمه الجوع فأطعمه من جسمه فذلك عليه يسير، وإذا سال في الشمس وجمد في البرد، فهو عند الأغنياء ذو طبيعيتين لأنه ليس مثلهم ولأنه فقير…؟
ومن عسى أن يكون هذا القوي الذي يختصمه الإجتماع كله، ويخشى أن يرتفع فيكون قاضياً عليه، ويأخذه اليوم بالجناية وهو الذي أوحاها بالأمس إليه .
ومن هذا الذي يرى المجتمع أنه إذا قدر للشريعة أن تلحد في قبر، فلن تدفن إلا في هاوية من مطامعه، وإذا حكم الله على عصر من عصور الجبابرة بالشنق فلا تكون المشنقة بجذيعها إلا من ذراعيه وأصابعه…؟
من هو الذي يجف ريق الأرض لو جف عرقه
من ترك العمل، ويخيب أمله مع ذلك في كل غني، وهو نفسه للأغنياء أكبر أسباب الأمل، يدلون عليه بالغنى، ولولا أن في فضتهم عنصراً من دمعة القيم، لما وجدوا لها قيمة ولو لم يكن في ذهبهم روحٌ من دمه الكريم، لما عُد أفضل المعادن الكريمة.
فقلت يا أستاذي هذا هو المدرج في أكفان النسيان الذي ليس له في الناس إلا "منكر ونكير"
وذلك هو البائس في بني الإنسان الذي يكثر عليه القليل، ويقل منه الكثير، ذلك هو المتناقض في نفسه حتى لا يصغر أن يُقال فيه صغير، ولا يكبر أن يُقال فيه كبير.
ذلك هو الذي يشبه أن يكون عمله حركة فلكية في الأرض لآلة الغنى، ذلك كله هو الفقير!
وبالله ! ما تحمل الأرض إنسانا واحدا لا يخشى عادية الفقر ولا يتعوذ بالله منه، ولا يرى يومه في هذه الأرض كأنه الآخرة قبل الآخرة، يقوم الفقير بين حسابها وعذابها، ويستعيذ برحيمها من جحيمها، ويفر من أمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تؤويه، ويضع في ميزانها المنصوب آماله، فلا يزن إلا أعماله، ويستصرخ كل من يمر به، فلا يسمع إلا قائلاً يقول:
نفسي نفسي… فينظر فإذا هو في الناس ضائع حتى لا يُعرف له محل، ومنفردا حتى لا يجد بينهم لشخصه ظلاً، وإذا هو بالسماء وقد التهبت بأقدارها حتى كأنها في عينه جمرة من البرق الخاطف، وإذا الأرض قد ثارت بأهلها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، فإن أقبل على الناس فروا من أماكنهم كأنه زلزلة تمشي، وإن استصرخهم نفروا كأن في صوته فزع الرعد القاصف.
"يراجع كتاب المساكين للأديب مصطفى صادق الرافعي"
فسألته ماذا عن الفقر لدى النبي الخاتم كمصلح إجتماعي ؟
قال:
كان النبي صلى الله عليه وسلم على ما يصف التاريخ من الفقر والقلة ولكنه كان بطبيعته فوق الإستغناء، فهو فقير لا يجوز أن يوصف بالفقر، ولا تناله المعاني النفسية التي تعلو بعرض من الدنيا وتنزل بعرض، فما كانت به خلة تحدث هدما في الحياة فيرممها المال، ولا كان يتحرك في سعي ينفق فيه من نفسه الكبيرة ليجمع من الدنيا، ولا كان يتقلب بين البعيد والقريب من طمع أدرك أو طمع أخفق، ولا نظر لنفسه في الحسبة والتدبير لتدر معيشته فيحتلبها ذهبا أو فضة، وقد راودته الجبال أن تكون ذهبا فأبىٰ،
ولا استقر في قلبه العظيم ما يجعل للدينار معنى الدينار، ولا للدرهم معنى الدرهم،
فإن المعنى الحي لهذا المال، هو إظهار النفس رابية، متجسمة في صورة تكبر على قدر من السعة والغنى، والمعنى الحي للفقر من المال هو إبراز النفس ضئيلة منزوية في صورة تصغر على قدر من الضيق والعسرة.
واستطرد يذكر أن فقره صلى الله عليه وسلم، كان من أنه يتسع في الكون لا في المال، فهو فقر يعد من معجزاته الكبرى، التي لم يتنبه إليها أحد إلى الآن وهو خاص به، ومن أين تدبرته رأيته في حقيقته معجزة، تواضعت وغيرت إسمها، معجزة فيها الحقائق النفسية والاجتماعية الكبرى، وقد سبقت زمنها بأربعة عشر قرناً، وهي اليوم تثبت بالبرهان معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
(إنما أنا رحمة مهداة)
فسألته وما فلسفة الفقر عند النبي المصلح صلى الله عليه وسلم؟ قال:
هذا المصلح الإجتماعي الأعظم يلقي فقره اليوم درساً على الدنيا العلمية الفلسفية بأخلاقه وعمله وسيرته، إذ هو الحي العظيم الذي تلتمسه الفكرة العظيمة لتحيا فيه، وتجعل له عمرا ذهنياً يكون مصرفا على حكمها، فيكون تاريخه ووصفه هو وصف هذه الفكرة وتاريخها فقلت:
نعم يا أستاذي ما كان محمد صلى الله عليه وسلم إلا عمرا ذهنياً محضا تمر فيه المعاني الالهية لتظهر للناس إلهية مفسرة، وكل حياته صلى الله عليه وسلم دروس مختلفة المعاني، ولكنها في جملتها تخاطب الإنسان على الدهر بهذه الجملة.
أيها الحي إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك، أي إذا كانت الحياة في الحقيقة فلا تكن أنت ف الكذب، وإذا كانت الحياة في الرجولة البصيرة فلا تكن أنت في الطفولة النزقة.
إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك، أي: الحياة في ذاتك الداخلية وقانون كمالها فإذا استطعت أن تخرج للأرض معنى سماويا من ذاتك فهذا هو الجديد دائما في الإنسانية.
إن الحكيم الذي ينظر إلى ما وراء الأشياء فيتعرف أسرارها.
فسألته وما نظرة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوجود؟
قال:
إن نظرة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوجود نظرة شاملة مدركة لحقيقة اللانهاية، فيرى بداية كل شيء مادي هي نهايته في التو واللحظة.
فلا وجود له إلا عارضا مارا، فهو في اعتباره موجود غير موجود، مبتدئ منتهٍ معاً، وبذلك تبطل عنده الاشياء المادية وتأثيرها، فلا تتصل بنفسه العالية إلا من أضعف جهاتها، ويجد لها الناس في حياتهم الشجرة والفرع والثمرة، وما لها عنده هو جذر ولا فرع، بهذا لم يفتنه ولم يتعلق به شيء.
كانت الدنيا تطول الناس وتتقاصر عنه، وكانت منقطعة النماء وهو ذاهب في نموه الروحي، وكأنما هو صورة أخرى من آدم عليه السلام، فكلاهما لمس بنفسه الحياة جديدة خالية مما جمع فيها الزمن وأهله من طمع وشره.
وجاء آدم ليعطي الأرض ناسها من صلبه، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم ليعطى الناس قوانينهم من فضائله، فآدم بشخصه هو دنيا بعثت لتتسع، ومحمد صلى الله عليه وسلم بشخصه هو دنيا بعثت لتنتظم.
فسألته وماذا يفهم من الفلسفة الأخلاقية النبوية العظيمة؟
قال:
يفهم منها أن الشهوات خلقت مع الإنسان تتحكم فيه لينقلب بها إنسانا يتحكم فيها، وأن الإنسان الصحيح الذي لم تزوره الدنيا يجب أن يكون ذا روح يمتد فيفيض عن غايات جسمه إلى ما هو أعلى فأعلى، حتى يصبح في حكم النور وانطلاقه وحريته، ولا ينكمش فيحصره جسمه في غاياته وضروراته، فيرتد إلى ماهو أسفل أسفل، حتى يعود في حكم التراب وأسره وعبوديته.
فالفقر وما إليه والزهد وما هو بسبيل منه والانصراف عن الشهوات والرذائل، كل ذلك إن هو إلا تراجع النفس العالية إلى ذاتها النورانية حالا بعد حال، وشيئا بعد شيء، لتضيء على المادة فتكشف حقائقها الصريحة، فلا تباليها ولا تقيم لها وزناً.
فبينما الناس يرون الأمواج والشهوات مادة حياة وعمل وشعور، تراها هي مادة بحث ومعرفة واعتبار ليس غير،
وبهذا تكون النفس العظيمة في الدنيا ليس في أسر المادة ولكن المادة في أسرها ما شاءت.
فسألته هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يملك المال ويجده؟
قال:
كان صلى الله عليه وسلم يملك المال ويجده، وكان أجود به من الريح المرسلة، ولكنه لا يدعه يتناسل عنده، ولا يتركه ينبت في عمله، وإنما كان عمله ترجمة لإحساسه الروحي، فهو الرسول المُعلم، قلبه العظيم في القوانين الكثيرة من واجباته، وهو يريد اثبات وحدة الإنسانية، وأن هذا الإنسان مع المادة الصامتة العمياء مادة مفكرة مميزة، وأن الدين قوة روحية يلقى بها المؤمن أحوال الحياة فلا يثبت بإزائها شيءٌ على شيئيته، إذ الروح خلود وبقاء، والمادة فناءٌ وتحول، فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر والفاقة، في سخاء لم تعرف البشرية مثله.
ومن ثم تخضع الحوادث للروح المؤمنة وتتغير معها، فإن لم تخضع لم تخضعها، وإن لم تتغير الروح بها وأساس الإيمان أن ما ينتهي لا ينبغي أن يتصرف بما لا ينتهي.
وتركني صديقي الأديب وانصرف راشداً ، وهنا أدركت أن قيمة العقيدة لا تكون إلا بصدقها في الحياة، وأكثر ما يصنع هذا المال، إما الكذب الصراح في الحياة وإما شبهة الكذب.
وبهذا تنزه النبي صلى الله عليه وسلم عن التعلق بها، وزاده بعدا منه أنه نبي الإنسانية ومثلها الأعلى، فحياته الشريفة ليست كما نرى في الناس:
إيجاداً لحل مسائل الفرد وتعقيدا لمسائل أخرى، ولا توسعا من ناحية وتضييقا من الناحية الأخرى، ولا جمعا من هنا ومنعا من هناك، بل كانت حياته بعد الرسالة منصرفة إلى إقرار التوازن في الإنسانية، وتعليم الجميع على تفاوتهم واختلاف مراتبهم كيف يكون لهم عقل واحد من الكون.
وبهذا العقل الكوني السليم ترى المؤمن إذا عرض له الشيء من الدنيا يفتنه أو يصرفه عن واجبه الإنساني أبت نفسه العظيمة إلا أن ترتفع بطبيعتها، فإذا هو في قانون السمو، وإذا المادة في قانون الثقل، فيرتفع وتتهاوى ويصبح الذهب - وانه ذهب - وليس فيه عند المؤمن إلا روح التراب.
"يراجع كتاب وحي القلم للأديب مصطفى صادق الرافعي الجزء الثاني"
فاللهم ردنا إلى دينك وكتابك وسنة نبيك مرداً جميلاً غير مخذٍ ولا فاضح واحفظ بلادنا اللهم من كل مكروه وسوء واجعلها في أمانك وضمانك وحرزك إلى يوم القيامة.
وصلى اللهم وسلم على نبينا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى من والاه إلى يوم الدين
ما هبت النسائم و ما ناحت على الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار و ما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء
المستشار عادل رفاعي 🌹 ❤️
