📁 آخر الأخبار

❤️🌹 سمو الإنسانية 🌹❤️بقلم المستشار عادل رفاعي

  



باتت أحوالي في الأيام الآخرة قلقة، الشواهد في الأفق شاخصة، وفوران الدموع الكليلة في القلوب تصعد، تعلن عن مآتم لا تنفض وعن أحزان لا تنقضي، لا مهرب الآن من ورطة العيش، فنحن وقوفٌ على حافة المنحنى والأيام الموحشة، لم يبقَ لديّ سوى حفنة من بكاء وبعض اشتياق، ودموع بائسة وتوقٌ وحنين، وفؤاد مكلوم.

الساعات تمر متثاقلة بطيئة، ليس فيها ما يفسح مهجع ضوء لقلب شريد.

أصبحنا جميعا نقتات على موائد اللئام، يلفنا القبح السائد في الأكوان، ويَسري في أيامنا البكاء والأنين والشجن والحنين، والكون الشائه، والهامات المنكسة، والزمان الشحيح، ووجع الكلمات، ووسط هذه الأحزان يلوح في الأفق ضوءٌ يسكب في أعيننا النور، وينبت في صحراء أيامنا أوراقاً خضراء، وظلالاً من ألوان وأحلام توقظ النفوس العمياء، تعيد إلينا النبض وتجعلنا تارة أخرى في زمن الأحياء، وتخرجنا من الزمن العقيم، ومن الوجع المقيم الذي ينشب فينا أنيابه، ومن الزمن المخزي، الذي يظلله العارليسطع بيننا بهاء العقل وسمو النفس وشعاع فجر جديد، وميعاد يصدح فيه النقاء العلوي إيذانا بانبلاج فجر جديد يؤذن فيه بلال بصوت رخيم في بهاء مهيب جليل.

يوقظ الأرواح التي ماتت ألما ويعيد إليها ألقها ويشعل صهد الشوق ويسكب في آبار الروح العطشى حلم الرِي، وعطر الوجود تسبح فيه روائح ذكية، مجللة بالطهر والنقاء.


وهامت روحي وجداً ووجدتني أقبل التراب الذي كان يوماً يلامس وقع خطاه، فتبارك وجه الثرى وتقدست الثريا التي أقلته، فانفرجت أساريري واستبشرت خيراً فهو النبي الخاتم من له الأخلاق ما تهوى العلا، منها وما يتعشق الكبراء.


كانت شخصية النبي العظيم صلى الله عليه وسلم ملهمة لكثيرٍ من عباقرة العالم، بما انطوت عليها جوانب العظمة، ولما تمتعت به من سمات وشمائل وأخلاق أذهلت الباحثين 

وهو ما ظهر على  لسان وول ديورنت مؤلف موسوعة قصة الحضارات والذي قال ما نصه:

(محمد أعظم عظماء التاريخ قاطبة) 

في حين أعلنها الأديب البريطاني جورج ويلز:

أن محمداً أقوى من أقام دولة العدل والتسامح ولن ينسى العالم مقولة الاديب والمفكر الفرنسي لامارتين:

بأنه ليس هناك من هو أعظم من النبي محمد الفيلسوف الخطيب المشرع المحارب قاهر الأهواء، ولقد وصل هذا الانبهار أقصى مداه، بأن قامت المحكمة الدستورية العليا بالولايات المتحدة الأمريكية بإقامة نصب تذكاري كُتِب عليه: المحكمة الدستورية العليا تكرم النبي محمداً لكونه أعظم مصدرٍ للقانون في العالم.


وقد تحدثت التوراة عن النبي الخاتم، فقد روى عبد الله بن سلام، وكعب الاحبار وابن إسحاق ذكراً للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه ليس بصخاب بالأسواق، ولا متزينٍ للفُحش، ولا قوال للخنا، أسدده بكل جميل وأهب له كل خلق جميل، واجعل السكينة لباسه والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقولة، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته والحق شريعته والهدى إمامه، والإسلام ملّته.

 أحمد اسمه، أهدى به من بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الغربة وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أُخرِجت للناس.


كان صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذُم منها شيئاً، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تعدي الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، كان خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول

من نظره إلى السماء، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، ولا يطوي عن أحد من الناس بشره، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحق سواء، يحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، وكان أشد الناس حياءً، لا يثبت بصره في وجه أحد، له نورٌ يعلوه، كأن الشمس تجري في وجهه، لا يؤيس راجيه ولا يخيب عافيه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، أجود الناس بالخير.

ولو جمعت كل أوصافه لأيقنت أن هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم إن هو إلا معجم نفسي حي، ألفته الحكمة الإلهية بعلم من علمها، وقوة من قوتها، لتتخرج به الأمة التي تبدع العالم إبداعا جديداً، وتنشئه النشأة المحفوظة له في أطوار كماله، فهو إنسان غرس في التاريخ غرسا، ليكون حداً لزمن، وأول لزمن بعده، وما كانت حياته تلك إلا طريقة غرسه، وهو أبدا قائم في مكانه الإجتماعي، إذا كان الزمن كلما تقدم زاد في إثباته، وقد أصبح في الدنيا كأنه جهة من الجهات، لا إنسان من الناس، فلن يتغير أو يمحى إلا إذا تغير أو محيَّ المشرق والمغرب.


وأعجب مما يدهشني من مجموع صفاته صلى الله عليه وسلم أن فيها دليلاً بينا على أنه مخلوق خلقة متميزة بنفسها، وليس مجموع تلك الصفات في معناه إلا صنعة الإنسان صنعة جديدة تخرجه موجوداً من ذات نفسه، وتكسر القالب الأرضي الذي صُبْ فيه، وتفرغه في مثل قالب الكون، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي جسمه، فلا تخضعه المادة، ولا يؤتى من سوء نظره لنفسه، ولا تغره الدنيا، ولا يمسكه الزمان، إذ كانت هذه هي صفات المستعبد بأهوائه لا الحر فيها، والخاضع بنفسه لا المستقل بها، والمقبور في إنسانيته، لا الحي فوق إنسانيته، ومثل هذا المستعبد الخاضع المقبور، لا وجود له إلا في حكم حواسه، فعمله ما يعيش به لا ما يعيش من أجله، ويتصل بكل شيء اتصالاً مبتوراً، ينتهي في هوى من أهواء الحيوان الذي فيه.


ولذا كان أخص أوصافه صلى الله عليه وسلم، راجعا إلى خروجه من سلطان نفسه، فلا يغضب لها ولا يطلقها من الدنيا فيما تذمه أو تمدحه، ولا يحب فيها ولا يبغض من أجلها ولا يهاونها، ولا يستلين لها في مأكل ولا ملبس، ولا يأخذها إلا من ناحية الإيمان بالله والإيمان بالإنسانية، فأفراحها أحزانها، وأمالها أشواقها، وأملاكها أعمالها، وحسابها في طبيعتها، وحوادثها من العقل لا من الحواس، وعظمتها إثبات ذاتها في غيرها، لا اثبات غيرها في ذاتها، وغايتها في الباقي لا الزائل، وفي الخالد لا الفاني وما دام الحاضر متحركا فهو طارئ عابر، أوشك أمور الدنيا زوالاً، والعمل له على مقداره في قلة لبثه وهوان أمره، والاهتمام أبدا بما وراءه لا به، فأول النفس النية العاملة لآخرتها، وآخر النفس ما تؤدي إليه أعمال هذه النية، فليس في إنسان الدنيا إلا إنسان العالم الآخر، وبهذا يقدر صمته وكلامه وحركته وسكونه، وما يأتي وما يدع، وما يحب وما يكره، إذ كل شيء منه على ذلك الإعتبار إنما هو صورة الحقيقة العاملة فيه.

 وجماع الأمر ألا يكون مستقبل الإنسان علامة استهزاء بجانب ماضيه، ولا علامة استفهام ولا علامة إنكار.


وتدل صفات النبي صلى الله عليه وسلم باجتماعها على حقيقة عظمى، هي أن جميع خصائصه النفسية مرهفة متيقظة، فهو الحي الأعظم الذي يحيى بجميع خصائص نفسه، تملؤه الحياة فيملأ الحياة ويتمدد السر فيه ليريه حقائق الأشياء، ويهديه ويدله، فيكون بنفسه رؤية للناس وهداية ودلالة، ومثل هذا يعظم ثم يعظم حتى لا يُرى الفرق بينه وبين غيره، كالفرق بين نور لبس اللحم والدم وبين تراب لبس الدم واللحم.

وذلك لا يكاد يتفق إلا في مراتب أعلاها الإمتياز في النبوة، ثم تدنو إلى النبوة، ثم تنزل إلى الإمتياز في الحكمة، ثم تهبط إلى عبقرية الشعر، فأكبر الشعراء قاطبة كالنبي في معناه إلا أنه نبي صغير، وإلا أنه في حدود قلبه.


وهذه القوى الثلاث هي التي أبدعتها القوة الإلهية لتحويل الحياة والسمو بها، فالشاعر يستوحي الجمال إذا تأله الجمال في قلبه، والحكيم يستوحي الحقيقة إذا تألهت في نفسه، والنبي يستوحي الألوهية نفسها.


(كان صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان) 

لكنها أحزان النبوة تكسو الحياة فرح النفس الكبيرة وهو فرح كل حزن وتأمل وفكرة وخشوع وطهر وفضيلة، وما فرحُ أعظم الشعراء بطرب الوجود وجمال الموجودات إلا شيء قليل من حزن النبي،

(وكان دائم الفكرة ليست له راحة)

إذ هو مكلفٌ أن يصنع الإنسان الجديد، وينقح الآدمية فيه، وفكرة النبي هي معيشته بنفسه مع الحقائق العليا، إذ لا يرى أكثرها تعيش في الناس وهي الفردية واستقلالها وسموها، لأنها اطاقة النفس الكبيرة لوجدتها، بخلاف النفس الضعيفة التي لا تطيقها، فدأبها أبدا أن تبحث عما تستعبد له، أو تنسى ذاتها فيه، أو تستريح إليه من ذاتها.


ومتى كانت النفس فارغة كان تفكيرها مضاعفة لفراغها، فهي تفر منه إلى ما يلهيها عنه، ولكن العظيم يعيش في امتلاء نفسه وعالمه الداخلي، تسميه اللغة أحيانا:

الفكرة 

وتسميه أحيانا:

الصمت

(وكان طويل السكت لا يتكلم في غير حاجة) ومن الصمت أنواع، 

فنوع يكون طريقة من طرق الفهم بين المرء وبين أسرار ما يحيط به، 

ونوع يغشى الإنسان العظيم ليكون علامة على رهبة السر الذي في نفسه العظيمة 

ونوع ثالث يكون في صاحبه طريقة من طرق الحكم على صمت الناس وكلامهم، 

ونوع رابع هو كالفصل بين أعمال الجسد وبين الروح في ساعة أعمالها.

ونوع خامس يكون صمتاً على دوي تحته يشبه نوما ساكنا على أحلام جميلة تتحرك. 

على هذا النمط يجب أن تفسر كل أوصافه صلى الله عليه وسلم فهي بمجموعها طابع إلهي، على حياته الشريفة، يثبت للدنيا بكل برهانات العلم والفلسفة أنه الإنسان الأفضل وأنه الأقدر وأنه الأقوى.


"يراجع كتاب وحي القلم للأديب مصطفى صادق الرافعي الجزء الثاني"


هكذا نرى أن النبي العظيم صلى الله عليه وسلم لا يدانيه في ذكائه وصلابة عزمه، وبُعد هممه، وسعة فطنته، وإدراكه الشامل لحقائق النفوس، وطبائع الجماعات، فزعامة الأمم قديما وحديثا لا تنعقد صدقا إلا لرجال أوتوا من القدرات النفسية، ما يوطئ لهم الأكناف ويجمع حولهم الآلاف، فهم من أصحاب الإقدام الذي لا يشوبه عجز، والنظر الذي لا يشينه جهل.


في ماضي الحياة وحاضرها ومستقبلها كان الوحي الإلهي -ولا يزال- العاصم الذي يمسك الأرض أن تزول والحضارات أن يلتبس فيها الرشد بالغي ولن يخطئك وانت ترمق سدنة هذا الوحي المبارك، أن تستجلي هامة شمّاء، توجها الجلال والأدب، وزانها اليقين والصدق، برزت بين هداة السماء، بروزاً كاد يحجب ما حوله، ووسط هذا تلمح في خشوع وتوقير محمداً ابن عبد الله صاحب الرسالة الخاتمة، وملتقى العقائد والفضائل، التي ناط القدر بها صلاح الأولين و الآخرين، أنه المُثل العليا في إطار من اللحم والدم، تستطيع أن تعرفه في يُسرٍ من الكتاب الذي جاء به زمن الحكمة التي ينفجر بها منطقه.


إن صفاءه النفسي وتوقده العقلي لم تشبهما شائبة.

كان يترك أثره العميق في الآخرين، ولا يتأثر هو بما في صدورهم من ضيق وانحصار، ولا ريب في أن مصدر هذا العلو الدائم، والقوة المصاحبة هو اتصال قلبه برب الأرض والسماء، وطبيعي أن يعيش صاحب هذه الرسالة طيلة عمره مبرأ من كل عيب منزهاً عن أية ملامة، لا يؤثر عنه في سره وعلنه، ورضاه وسخطه إلا ما تهوى العلا.

ما من كبير إلا وله سقطة حتى لقد تواضع الناس أن يغفر بعضهم لبعض هنات أو سيئات لا بد أن يواقعوها.


لكن هناك صنفا من الناس، ليس في شرابهم قذى قط.

هم المصطفون الاخيار من عباد الله، وفي الطليعة الوضاءة من هذا النفر النقي، إمام فذ ورحمة مهداة ونبي معصوم هومحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم 


"يراجع كتاب جدد حياتك للشيخ محمد الغزالي"


فاللهم إنا نسألك نصرا لأمتنا وحفظاً لأهلها من كل مكروه وسوء ونسألك أن تصلي على حبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى من والاه إلى يوم الدين

ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم 

ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر 

ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر 

ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء 


المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️

تعليقات