لا يعرف التاريخ غير محمد صلى الله عليه وسلم، رجلاً أفرغ الله وجوده في الوجود الإنساني كله، كما تنصب المادة في المادة لتمتزج بها فتحولها فتحدث منها الجديد، فإذا الإنسانية تتحول به وتنمو، وإذا هو صلى الله عليه وسلم وجودٌ سارٍ فيها، فما تبرح هذه الإنسانية تنمو به وتتحول، فنور محمد صلى الله عليه وسلم يشرح القلوب وينقّي الصدور ويريح الخواطر ويبدد سحابات الشقاء وغياهب الجهل، فارتوت نفوس الهيم الظمّاء من فراته السائغ ونميره الدافق وسياله الرقراق ونبعه المتجدد وعبيره الفواح، فهو عنوان الحب والتسامح ومكارم الأخلاق، ورسالته هي رمز المحبة والتفائل والأمل.
لم تقع عين عليه إلا أحبته، وأسلمت قلب صاحبها لهيام شديد، ذلك أنه كان ينطوي على حب كبير، بل كان هو الحب كله، فإذا رآه مبغضه ذاب بغضه من نوره صلى الله عليه وسلم حين يمسه نفس واحد من أنفاس حبه الدافئ الجيّاش.
"يراجع كتاب إنسانيات محمد للكاتب خالد محمد خالد"
من أجل هذا كان المعنى الآدمي في هذه الإنسانية كأنما وهن من طول الدهر عليه يتحيفه ويمحوه ويتعاوره بالشر والمنكر، فابتعث الله تاريخ العقل بآدم جديد، بدأت به الدنيا في تطورها الأعلى من حيث يرتفع الإنسان على ذاته، كما بدأت من حيث يوجد الإنسان في ذاته، فكانت الإنسانية دهرها بين إثنين، أحدهما فتح لها طريق المجيء من الجنة، والثاني فتح لها طريق العودة إليها:
كان في آدم سر وجود الإنسانية وكان في محمد سر كمالها.
وقد التقيت أستاذي الأزهري النابه فبادرته بالسؤال عن أولئك العابثين من بني جلدتنا الذين يأتون من التصرفات ويطلقون من الأفكار ما يشوه وجه هذا الدين السمح؟
فرد:
لقد سُميَّ الدين بالإسلام لأنه إسلام النفس إلى واجبها، أي إلى الحقيقة من الحياة الإجتماعية، كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية تصرفها وتعتملها في كمالها ومعاليها وسماحتها، فلا حظ له من نفسه يمسكها على شهواته ومنافعه، ولكن للإنسانية بهذا الحظ.
ففيه بشائر الرحمة التي تمسح دموع اليتامي والأيامى، وتواسي الثكالى، وتعين الفقراء والمشردين بسطوة المدنية الحديثة الظالمة، الذين سُحٌقوا ببهرجتها الكاذبة وهو دين العفو والمرحمة والتسامح، يا أيها الناس أطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام
رواه الحاكم في المستدرك ٣/١٤ - ٤٢٨٣ وقال حديث صحيح.
فسألته وما حقيقة الإسلام في جملته؟
قال:
ما الاسلام في جملته إلا هذا المبدأ، مبدأ إنكار الذات واسلامها طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها، وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي، وهو أبدا يروضها على هذه الحركة ما دام حياً، فينتزعها كل يوم من أوهام دنياها، ليضعها بين يدي حقيقتها الإلهية التي تدعو إلى خير البشرية ونفعها وإلى الحق والعدل بميزان عدل مستقيم لا يحيف.
الإسلام في حقيقته يتضافر ويتعاون مع الرسالات السماوية التي سبقته في بناء متكامل تحت راية السلام والمرحمة، فالناس متساوون فيه أمام عدله كأسنان المشط، وهو بهذا المعنى خصم للعدوان والفساد يتبرأ من الاستبداد والمظالم ويدعو إلى الحرية والعدالة.
وهو دستور قام في شرائعه وآدابه على القواعد العامة للإيمان والأخلاق، والدعوة إلى العلم، فهو لديه المصباح المنير، بذلك يحارب الجهل والغباء ويحتفي بالمعرفة والحكمة، وهو دينٌ يسمو بالنفس الإنسانية عن النزاعات القَبلية والثارات المقيتة والسخائم الملتهبة
فهو يرى أن الإنسان مطلقاً ـ أي إنسان ـ هو بنيان الله ملعون من هدمه، وهو عقيدة تنزه صاحبها عن الخرافات والخذزعبلات والأوهام التي يخلقها الجهل أو التعصب الأعمى، كما تنزهه عن التواكل والاستسلام، وهو دين لا يحتمل الرجعية وإنما شعاره دائما الرقي والتقدم، فكل حَجْرٍ على الحرية فعل محرم يستطيع المسلم أن يكون موساويا أو عيساويا أو محمديا في آن واحد، لأن هذه روح الإسلام السمحة وعالميته، وكذلك كان الإسلام ولا يزال أهلا لقيادة العالم، قيادة صحيحة مُشَربةً بروح المحبة والسلام.
فذكرت لشيخي قول توماس كارليل عن الإسلام ونبيه إذ قال:
إن الإخلاص وصدق الإيمان وهما أعظم ما ميز الإسلام ونبيه، وإني لأجد في محمد وفي قرآنه الصدق والإخلاص والتحرر الكامل من الزيغ والضلال قبل كل شيء وقد ظل دينه طيلة هذه القرون الإثني عشر مرشدا لخمس الجنس البشري، - وظل قبل كل شيء - موضع إيمان قلبي عميق.
لقد كان العرب شعب ضيق الأفق، فبعث الله لهم نبيٌ بطل، فلم ينقضِ قرنٌ من الزمان حتى كان العرب قد وصلوا إلى غرناطه من ناحية وإلى دلهي من ناحية أخرى.
من أجل هذا لم يكن الإسلام في حقيقته إلا إبداعا للصيغة العملية التي تنتظم الإنسانية فيها ولهذا كانت آدابه كلها حراسا على القلب المؤمن، كأنها ملائكة من المعاني، وكان الإسلام بها عملا إصلاحيا وقع به التطور في عالم الغريزة، فنقله إلى عالم الخُلق، ثم ارتقى بالخلق إلى الحق، ثم سما بالحق إلى الخير العام، فهو سمو فوق الحياة بثلاث طبقات، وتدرجٌ إلى الكمال في ثلاث منازل، وابتعاد عن الأوهام بمسافة ثلاث حقائق.
فتدخل شيخي وقال:
بتلك الأعمال والآداب كانت الدنيا المسلمة التي أسسها النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، دنيا أسلمت طبيعتها فأصبحت على ما أراد المسلمون لا ما أرادت هي، وكأنها قائمة بنواميس من أهليها لا على أهليها.
وكان الظاهر أن الإسلام يغزو الأمم بالعرب ويفتتحها، ولكن الحقيقة إن إقليما من الدنيا كان يحارب سائر أقاليم الأرض والطبيعة الأخلاقية الجديدة لهذا الدين، وكأن الله تعالى القى في رمال الجزيرة روح البحر، وبعثها بعثه الإلهي لأمره، فكان النبي صلى الله عليه وسلم هو نقطة المد، التي يفور البحر منها، وكان المسلمون أمواجه التي غُسِلَت به الدنيا
ووجد المسلمون في أوامر ربهم وكلام رسوله روعة أمر السماء في بلاغة، واتصلوا بنبيهم ثم بعضهم ببعض، لا كما يتصل إنسان بإنسان، بل كما تتصل الأمواج بقوة المد، ثم كما يمد بعضها بعضا في قوة واحدة، وحققوا في كماله صلى الله عليه وسلم وجودهم النفسي، فكانوا من زخارف الحياة وباطلها في موقع الحقيقة الذي يري فيه الشيء لا شيء،
ورأوا في إرادته صلى الله عليه وسلم النقطة الثابتة فيما يتضارب من خيالات النفس فكانوا أكبر علماء الأخلاق على الأرض، لا من كتب ولا علم ولا فلسفة بل من قلب نبيهم وحده.
عرفوا به صلى الله عليه وسلم تمام الرجولة، ومتى تمت هذه الرجولة تمامها في إنسان رجعت له الطفولة في روحه، وامتلك تلك الطبيعة التي لا يملكها إلا أعظم الفلاسفة والحكماء، فأصبح كأنما يمشي في الحياة إلى الجنة بخطوات مسددة لا تزيغ ولا تنحرف، فلا شر ولا رذيلة ولا عدوان ولا تمييز ولا قبح ودنياه هي الدنيا كلها بشمسها وقمرها
يملكها وإن لم يملك منها شيئاً، ما دامت في قلبه طبيعة السرور، فلا فقر ولا غنى مما يشعر الناس بمعانيه، بل كل ما أمكن فهو غني كامل، إذ لم تعد القوة في المادة تزيد بزيادتها وتنقص بنقصها، بل القوة في الروح التي تتصرف بطبيعة الوجود وتدفع قوى الجسم بمثل دوافع الطفولة النامية المتغلبة، حتى لتجعل من النور والهواء ما يؤتدم به مع الخبز القفار، كما يؤتدم باللحم وأطايب الأطعمة.
وبذلك لا تتسلط ضرورة على الجسم
كالجوع والفقر والألم ونحوها -
كأنه أمر من قوة في الوجود إلى قوة في هذا الجسم، أن تظهر لتعمل عملها المعجز في إبطال هذه الضرورة، وهذا الجنس من الناس كالأزهار على أغصانها الخُضر، لو قالت شيئاً لقالت:
إن ثروتي في الحياة هي الحياة نفسها، فليس لي فقر ولا غنى بل طبيعة أو لا طبيعة.
وهنا تدخلت لأذكر أن الحقيقة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى وأقرها في النفوس بجميع أخلاقه وأعماله، أن الفضائل كلها واجبة على كل مسلم لنفسه، إذ أنها واجبة بكل مسلم على غيره، فلا تكون في الأمة إلا إرادة واحدة متعاونة، تجعل المسلم وما هو روح أمته تعمل به أعمالها هي لا أعماله وحدها.
المسلم إنسان ممتد بمنافعه في معناه الاجتماعي حول أمته كلها، لا إنسان ضيق مجتمع حول نفسه بهذه المنافع، وهو من غيره في صدق المعاملة الإجتماعية كالتاجر من التاجر، تقول الأمانة لكليهما:
لا قيمة لميزانك إلا أن يصدقه ميزان أخيك.
وختمت اللقاء مقررا أن الإسلام لن يكون صحيحا تاما حتى يجعل من حامله مثلاً من نبيه في أخلاق الله، فما هو بشخص يضبط طبيعته:
يقهرها مرة وتقهره مرارا، ولكن طبيعة تضبط شخصها، فهي قانون وجوده.
لا يضطرب من شيء، وكيف يضطرب ومعه الاستقرار؟؟
لا يخاف من شيء وكيف يخاف ومعه الطمأنينة؟؟
لا يخشى مخلوقاً وكيف يخشى ومعه الله تعالى؟؟
أيها الأسد هل أنت بجملتك إلا في طبيعة مخالبك وأنيابك؟
"يراجع كتاب وحي القلم للأديب مصطفى صادق الرافعي الجزء الثاني"
فاللهم احفظ بلادنا من كل مكروه وسوء وصلى اللهم وسلم على نبينا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى من والاه إلى يوم الدين
ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء
المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️
