منذ شهور خلت وأنا أصارع الأوجاع والآلام، ومن ساعتها وأنا في هم وبأس وأسى حاضر اللوعة، موصول الأنين، تخنقني العبرات، فتتسرب الظلمة في روحي وتنسكب في أعماقي، أترنح وأنا أهوي بين أنياب المنايا، وتحت براثن الخطب الجسيم، منخوب القلب من الإعياء، يقهرني سأم الوقت اللافح، وشراب الكأس المسموم الطافح، ومشاهد أزهقت روحي، ونثرت أدمعي وقطعت أحشائي وأضرمت أضلعي.
فالناس صاروا وحوشاً مفترسة تنهش أحلام الأصفياء كيداً وعدواناً ومكراً وكفراناً
فصرت غريقاً يقهره الطوفان، يلفحه إعصارٌ كوني يحمل كل شرور العالم، ساد القبح في الأرجاء، فكيف أزيح انكسار زمان ثقيل بليد؟ لأفسح بيننا مكاناً لإطلالة حب وليد،
لم يبقَ إلا لغو الشتات وفوضى الصفات ودمدمة القابعين بأحقادهم، ومرارات الأيام وسخائم الأنفس وقذر الفعال، وفي موكب الدمع أصعد معراج روحي بهاؤك سدرة دربي ظلال من السدر، تبسط لي رحمة ويلتف منك الشعاع الذي يحتويني، يميط ستار الجهل، إن طُمِست معالم القصد بين الشك والريب، ما زلت أصعد منكسراً كالزمان الحزين ومعي براءة توقي وإشراق روحي، وهذا الذي يحدث في برزخ صحوي، وفي تلافيف حلمي، يدعوني أن أستفيق بعد كل الدماء التي أهرقتها الملاحم واعتصرتها أيادي الظالمين
فمن يحمل عني بقية يومي وأشلاء حلمي وغضبي
ووميضاً من ذكرياتي المؤلمة، تعبت فالدروب يلاحقها الموت، يسكنها الصمت، والقلب يملؤه القهر، المدى لا يبين والصدى لا يبين، ووجهي ما زال منسحقا في جبين المرايا
تلاحقه اللعنة الجموح.
ووسط هذا الركام أشرق نور 'محمد صلى الله عليه وسلم'
كان نهراً من الضوء ينساب ونمت ظلال وارفات وأنعم في حلكة الليل والظلمة الدائمة، فانسكب الضوء والعطر
أبى الله إلا أن يرعاه سالماً، ومن يرعه يسلم فتبارك وجه الثرى
وتقدست الأرض وانبجست عين السما، وإذا بالنور يهتف
ملأ سمعي وبصري
(أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)
ولأول مرة ذاق جفني على ما ذاق دمع السرور،
ولله در حافظ إبراهيم شاعر النيل حين أنشد
شكرت جميل صنعكم بدمعي
ودمع العين مقياس السرور
لأول مرة قد ذاق جفني -على ما ذاقه- دمع السرور
وصحوت وقد برأت والتأمت جراحي، ففي حبه إحياء النفوس ورِيها، فهو لري النفس أعذب منبعٍ، فقد كان نوره مكانا أستجم به وينجلي عن فؤادي برح أحزاني وصرت أحيا بعد أن غمرتني أنواره فوق هام الدهر وقد تناسيت أحزاني وتغافلت عن أوجاعي وآلامي، وسموت في أفق السعود حتى كدت ألامس الثريا.
فكما تطلع الشمس بأنوارها فتفجر ينبوع الضوء المسمى النهار، يولد النبي العظيم، فيوجد في الإنسانية ينبوع النور المسمى بالدين.
وليس النهار إلا يقظة الحياة تحقق أعمالها، وليس الدين إلا يقظة النفس تحقق فضائلها
والشمس خلقها الله حاملة طابعه الإلهي، في عملها للمادة تحول به وتغير، والنبي يرسله الله حاملاً مثل ذلك الطابع في عمله، تترقى فيه وتسمو ورعشات الضوء من الشمس هي قصة الهداية للكون في كلام من النور، وأشعة الوحي في النبي هي قصة الهداية لإنسان الكون في نور من الكلام.
والعامل الإلهي العظيم يعمل في نظام النفس والأرض بأداتين متشابهتين:
أجرام النور من الشموس والكواكب، وأجرام العقل من الرسل والأنبياء.
ويجيء النبي فتجيء الحقيقة الإلهية معه أقوى أثراً وأيسر فهماً وأبدع تمثيلاً وليس عليها خلاف من الحس، فتظهر حقائق الآداب العالية في قالب من الإنسان العالم المرئي، أبلغ مما تظهر في قصة متكلمة مروية.
وما الشهادة للنبوة إلا أن تكون نفس النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ نفوس قومه، حتى لهو في طباعه وشمائله طبيعة قائمة وحدها كأنها الوضع النفساني الدقيق الذي يُنصب لتصحيح الوضع المغلوط للبشرية، في عالم المادة وتنازع البقاء.
وكأن الحقيقة السامية في هذا النبي تنادي الناس أن قابلوا على هذا الأصل وصححوا ما اعترى أنفسكم من غلط الحياة وتحريف الإنسانية.
ومن ثم، فنبي البشرية كلها من بُعِث بالدين أعمالاً مفصلة على النفس، أدق تفصيل وأوفاه بمصلحتها وهو يعطي الحياة في كل عصر عقلها العملي الثابت المستقر، تنظم به أحوال النفس على ميزة وبصيرة، ويدع للحياة عقلها العلمي المتجدد المتغير تنظم به أحوال الطبيعة على قصدٍ وهدى، وهذه هي حقيقة الإسلام في أخص معانيه، لا يغنى عنه في ذلك دين آخر، ولا يؤدي تأديته في هذه الحاجة أدب ولا علم ولا فلسفة، كأنما هو نبع في الأرض لمعاني النور بإزاء الشمس نبع النور في السماء، وكل ذلك تراه في نفس محمد صلى الله عليه وسلم
فهي في مجموعها أبلغ الأنفس قاطبة، لا يمكن أن تعرف الأرض أكمل منها، ولو اجتمعت فضائل الحكماء والفلاسفة والمتألهين وجعلت في نصاب واحد، ما بلغت أن يجيء منها مثل نفسه صلى الله عليه وسلم
ولكأنما خرجت هذه النفس من صيغة كصيغة الدرة في محارتها، أو تركيب كتركيب الماس في منجمه، أو صفة كصفة الذهب في عرقه، وهي النفس الإجتماعية العالية الكبرى، من أين تدبرتها ؟ رأيتها على الإنسانية كالشمس في الأفق الأعلى تنبسط وتضحى
وتلك هي الشهادة له صلى الله عليه وسلم بأنه خاتم الأنبياء وأن دينه هو دين الإنسانية الأخير،
فهذا الدين في مجموعه إن هو إلا صورة تلك النفس العظيمة في مجموعها.
صلابته بمقدار الحق الإنساني الثابت، لا بمقدار الإنسان المتغير، الذي يكون عند سبب جبلا صلدا يشمخ وعند سبب آخر ماءً عذب يجري.
إذ أن دين محمد دينا يعلو بالقوة ويدعو إليها، ويريد إخضاع الدنيا وحكم العالم بالحق والعدل والإنصاف، ويستفرغ همه في ذلك لا إعزاز الأقوى وإذلال الأضعف، ولكن للارتفاع بالأضعف إلى الأقوى.
والبون شاسع ما بين شريعته وشرائع القوة، إن هذه إنما هي قوة سيادة الطبيعة وتحكمها، أما هو فقوة سيادة الفضيلة وتغلبها، وتلك تعمل للتفريق، لكنه يدعو للمساواة وسيادة الطبيعة وعملها للتفريق هما أساس العبودية وغلبة الفضيلة وعملها للمساواة هما أعظم وسائل الحرية.
ومن هنا كان طبيعياً في أن ما جاء به هذا الدين من أنه لا فضيلة إلا وهو يطبع عليها صورة الجنة بنعيمها الخالد، ولا رذيلة الا وهو يضع عليها صورة النار الأبدية وقودها الناس والحجارة، فلا تنظر العين المسلمة إلى أسباب الحياة نظرة الفكر المنازع، يحرص على ما يكون له ويشره إلى ما ليس له، ويمكر الحيلة ويبدع وسائل الخداع ويزيد بكل ذلك في تعقيد الدنيا، بل نظرة القلب المسالم يخلع الدنيا ويسخو بكل مضنون فيها، فيعف عن كثير ويغض الطرف عنه ويعرف الإنسانية ويطمع في غايتها العليا، فيعفو عن كثير مترفعا مدركاً أن الحلال وراءه حساب، وأن الحرام وإن غر، فليس إلا تعلل ساعة ذاهبة، ثم من ورائه عقاب الأبد.
ويخرج من ذلك أن يكون أكبر أغراض الإسلام هو أن يجعل من خشية الله تعالى، قانون وجود الإنسان على الأرض، لا يمشي خطوة إلا بين ملك عن يمينه وآخر عن يساره يحصيان عليه كل شيء، وإذا قامت هذه المحكمة الملائكية، وتقررت في اعتبار النفس، قام منها على النفس شرع نافذ، هو قانون الإرادة المميزة، تريد الحسنات وتعمل لها وتخشى السيئات وتنفر منها، وإذا كل صغيرة وكبيرة في النفس هي من صاحبها مادة تهمه عند قاضيها في محكمتها، وإذا كل ما في الإنسان وما حول الإنسان لا يراد منه إلا سلام النفس في عاقبتها، وإذا معنى السلام هوالمعنى الغالب المتصرف في الإنسانية في دنياها.
وكل أعمال الإسلام وأخلاقه وآدابه، فتلك هي غايتها وهذه هي فلسفتها، لا يقررها للإنسانية حسب بل يغرسها في الوراثة غرساً بالاعتياد والمران الدائم لتكون علما وعملاً فتمكن لسلام النفس بين الأسلحة المسددة إليها من ضرورات الحياة في أيدي الأعداء المتألبة عليها من شهوات الغريزة.
والحقيقة التي لا مراء فيها، أن السلام لا يعم على الكون إلا إذا عم هذا الدين بأخلاقه، فإن قانون العالم حينئذ يصبح منتزعا من طبيعة التراحم، فإما انتسخ به قانون التنازع الطبيعي واما كسر من شرته ويولد المولود يومئذ وتولد معه الأخلاق الإنسانية.
فالنظام الخُلقي هو أساس النفس وأن العمل الدائم هو أساس النظام، وأن روح العمل الدائم تكون فيما يشق بعض المشقة ولا يبلغ العسر والحرج، كما تكون فيما يسهل بعض السهولة ولا يبلغ الكسل والاهمال، وأساس العمل في هذا الدين إخضاع الحياة للعقيدة، فتجعلها العقيدة أقوى من الحاجة، فيكون الفقير معدما ويتعفف، ويكون الغني موسرا ويتصدق، ويكون الشره طامعا ويمسك، ويكون القوي قادراً ويحجم،
وكما يقول العرب:
تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها
فتكون مقاييس الأخلاق في الأرض بالمصلحة لا باللذة فلا يقع الخطأ ولا التزوير وتنحل المشكلة الإجتماعية ما دامت الحياة لا تجد من أهلها كل ساعة عُقداً فيها.
والإنسانية اليوم في مثل ليل حوشي مظلم، اختلط بعضه في بعض وليست معاني الإسلام إلا الإشراق الإلهي على هذه الكثافة المادية المتراكمة، وإذا رفع المصباح لم تجد الظلام إلا وراء الحدود التي تنتهي إليها أشعته، وهنا ندرك أن طبيعة النفس، أن إنسانية الفرد لا تعظم وتسمو وتتخيل وتفرح فرحها الصادق وتحزن حزنها السامي إلا أن تعيش في محبوب، فإنسانية العالم لا تكون مثل ذلك إلا إذا عاشت في نبيها الطبيعي نبي أخلاقها الصحيحة وآدابها العالية ونظامها الدقيق وأين تجد هذا المحبوب الأعظم إلا في محمد صلى الله عليه وسلم ودين محمد ؟
وعجيب أن يجهل المسلمون حكمة ذكر نبيهم العظيم خمس مرات في الأذان، ثم في الصلاة.
وهل الحكمة من ذلك إلا الفرض عليهم، ألا ينقطعوا من نبيهم ولا يوما واحداً من التاريخ، ولا جزءً واحداً من اليوم.
والمسلم كأنه مع نبيه وبين يديه تبعثه روح الرسالة ويسطع في نفسه إشراق النبوة فيكون دائماً في أمره كالمسلم الأول الذي غير وجه الأرض بأخلاقه وفضائله وحميته وانتاجه وعلمه وعمله لنفع البشرية في كل بقعة من الدنيا.
ومن نافلة القول إنه ما أحوج البشرية اليوم وهي تتخبط في دياجير الظلم وفوض المظالم وصراعاتها التي لا تنتهي إلى نور محمد صلّى الله عليه وسلم بأخلاقه و فضائله التي عمت الدنيا حتى يعود للبشرية أمنها واستقرارها وأمانها وقيمها التي تقوم على الحق والعدل وتنصف المظلومين وترفع عنهم مظالمهم ولا تكيل بمكيالين، تنزع إلى السلام والبناء ونفع البشرية فيأيها المسلم
لا تنقطع من نبيك العظيم وعش فيه أبدا واجعله مثلك الاعلى وحين تذكره في كل وقت فكن كأنك بين يديه، كن دائما مثل المسلم الأول الذي ملأ الأرض نورا وعدلا وعلما وخلقا، كن دائما ابن المعجزة.
"يراجع كتاب وحي القلم للأديب مصطفى صادق الرافعي الجزء الثاني"
ولله در أمير الشعراء إذ أنشد في قصيدته الهمزية النبوية فقال:
زانتك في الخلق العظيم شمائلٌ
يغرى بهن ويولع الكرماء
أما الجمال فأنت شمس سمائه
وملاحة 'الصديق' منك أياءّ
والحسن من كرم الوجوه وخيره
ما أوتي القواد والزعماءُ
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى
وفعلت ما لم تفعل الأنواءُ
وإذا عفوت فقادراً ومقدراً
لا يستهين بعفوك الجهلاءُ
وإذا رحمت فأنت أم أو أب
هذان في الدنيا هم الرحماءُ
وإذا غضبت فإنما هي غضبةٌ
في الحق لا ضغن ولا بغضاءُ
وإذا رضيت فذاك في مرضاته
ورضى الكثير تحلم ورياءُ
وإذا خطبت فللمنابر هزةٌ
تعرو الندي وللقلوب بكاءُ
وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما
جاء الخصوم من السماء قضاءُ
وإذا حميت الماء لم يورد ولو
أن القياصر والملوك ظماءُ
وإذا أجرت فأنت بيت الله لم
يدخل عليه المستجير عداءُ
وإذا ملكت النفس قمت ببرها
ولو أن ما ملكت يداك الشاء
وإذا بنيت فخير زوج عشرةً
وإذا ابتنيت فدونك الآباءُ
وإذا صحبت رأى الوفاء مجسماً
في بردك الأصحاب والخلطاءُ
وإذا أخذت العهد أو أعطيته
فجميع عهدك ذمة ووفاءُ
فاللهم صل على حبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى من والاه إلى يوم
ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء
المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️
