إلتقيت اليوم بعد أن أرخي الليل سدوله بصديقي الشيخ الوقور و صاحبي المتأنق بعد أن ألهبت ظهورنا سياط الأخبار التي جاءت تتري تنعي إلينا بين الفينة و الفينة راحلا عن الدنيا عافانا الله و حفظ مصر و أهلها من كل مكروه و سوء
و رفع عنها الضر و البلاء و الوباء
و إذا بصديقي الشيخ الذي أشرق علينا بنور وجهه الصبوح
ليبدد ظلمات الليل البهيم يشكو إليّ صاحبنا المتأنق و ينحي عليه باللائمة لإختياره العزلة مستقرا و طريقا فأضحي وحيدا فريدا
يمضغ العجز و يشتكي الشدة لدي أضعف شدة و ذكره أنه يحمل بين دفتي روحه نفسا حائرة
و أنه حملها فوق ما يحتمل البشر بل إنه يتحامل عليها
فإذا ما أدت ما كلفت به بما في وسعها أراد منها ما فوق ذلك
و كلفها فوق طاقتها طالبا الكمال و أنه لا يزال يتعبها و يعنتها
من بعد جمال فيما هو أجمل و من بعد رائع فيما هو أشد روعة
و من بعد طيب فيما هو أطيب و من بعد جيد فيما هو أجود
و أنه ما إنفك يجهدها كلما عاودها النشاط و يضنيها كلما إستجمعت قوتها مؤكدا له أنه إن كانت لنفسه من هموم فإنه هو أعظمها
و إن داهمتها الأحزان و أحاطت بها الملمات و تكالبت عليها الكوارث
فأكثر ذلك مما يجلبه عليها بإعتسافه و غريب طباعه
فهو مسكون بهاجس الكمال و هل منح الله البشر كمالا !؟
إن شيمة البشر النقصان
إن نفسه تسير لكنه يطلب منها الطيران كلما ركنت إلي الراحة و الدعة إستحثها في كل هجعة راحة بفجر هم جديد يثقلها و يكدر صفوها
و أن سنة الله في الأرض أن تمر كل حياة إنسانية في نوع من أنواع المحبة فمن رقة النفس و عذوبتها إلي هوي النفس و تتيمها فإذا بلغ الهوي أن يكون عشقاً وضع يده علي كل مفاتيح النفس و فتح لدنيا الخيال أبوابها لتهيم في الخوارق و عظائم الأمور و يملأ الحياة بمعان ليست فيها و يصبح الحب سرا لا يعرفه أحد مهما بلغ من الفطنة و الذكاء
و ذكرت صاحبنا أن الله تعالى قضي علي الدنيا بالنقصان
بل إنه أمرها بعد أن خلقها أن تمرري و أن تكدري و أن تضيقي و أن تشددي علي أوليائي حتي يكرهوا البقاء فيك و يحبوا لقائي
و إنه إن أراد الكمال في كل شيء فلن يحصد شيئا البته
فمن أراد كل شىء فقد الأشياء كلها
هو أراد الجمال الكامل و الفتنة الطاغية و الأدب الجم
و الخلق القويم و الرقة المتناهية و الذوق الرفيع و الأصل العريق و العلم الغزير
و الوفاء الدائم في حواء و نسي أن ما طلبه ليس لأحد في الدنيا و إنه وصف للحور العين لن يكون إلا في جنات الخلد
و أنه بشططه عطل الأمر برمته و لو رضي من الأمر بأوسطه
لحقق الهدف و لنال مراده
لكنه لم يفعل فظل يعارك الدنيا و يصارع طواحين الهواء
و بقي في النهاية وحيدا فذاً و قد إعتزل الدنيا
هو أراد في الأصدقاء وفاء و مثالية و رجولة نادرة و تفانيا
أراد من يضر نفسه لينفعه و إذا ريب الزمان صدعه
شتت فيه نفسه ليجمعه و نسي أن ذلك وصف الملائكة
الذين صنعهم الله علي عينه و نزع من صدورهم كل النقائص البشرية
فصاروا لاقدرة لهم علي إرتكاب تلك النقائص إذ ينكرونها بحسب خلقتهم و وفق جبلتهم و ما فطروا عليه و ما إستوت عليه سليقتهم
و طبعت عليه أنفسهم ثم نسي أيضا أنه لم يكن ذلك الشخص الكامل أو الملاك الحارس
فما أراده تكليف بمستحيل و درب من دروب الخيال
كان عليه أن يقبل من الحياة ما سمحت به فلا بأس من بعض الزلات ولا ضير من قليل من الهنات و لو وسعته السماحة أن يتسامي عن تلك المعايب حتي تسير سفينة الحياة فيلين عريكتها و يمتطي صهوتها و يحيا فيها راضياً لكان خيراً له
فما أشده مضضا يعانيه صاحبي
كلما إبتغي من الحياة مرحا يطرب له و يهتز جاءته بفكرة يستكد منها و يدأب و يضرب صفحا عن السرور و يواصل المسيرة دون أن ينتفض في محاولة للتغيير حتي أظله خريف العمر بعد أن مضي قطار الحياة و لم تبق له من الخريف سوي كآبته و ظلامه و تساقط أوراقه و ذهاب لذاته
و رياح السموم و الوحدة و الإنعزال
أراد الكمال في كل شيء فلما تحقق له بعض ما أراد فوجئ بأن العمر قد تسرب علي حين غرة
و إنه أصبح كهلا و لو إدخر في سني رخائه لوجد ما يغنيه في سني شدته
فهل هو شجرة في مغرسها تنمو صاعدة بفروعها و ضاربة بجذورها في أعماق الأرض
(يراجع كتاب وحي القلم للأديب مصطفى صادق الرافعي الجزء الثاني)
غير أنها لا تبرح مكانها ؟؟
هكذا عالج صاحبنا كل قضية صادفته في الحياة بأن اعتلي
فيها متن الشطط فما كان حصاده في النهاية إلا قبض الريح
و نظرت إلي وجه صاحبنا فما هزته الكلمات ولا تنبه لتلك الدرر الغالية ولا أثرت فيه النصائح المخلصة
بل نظر لكلينا نظرة إستعلاء و حماقة كان فيها المشوق المستهام بأن يغادر مجلسنا ففعل دون أن ينبس ببنت شفه
و إنصرف عنا مغاضبا
حقا ان المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي
❤️🌹 المستشار عادل رفاعي 🌹❤️
