📁 آخر الأخبار

❤️🌹🤲 الزهد 🤲🌹❤️بقلم المستشار عادل رفاعي

 



قال الله تعالى:

(ما عندكم ينفد وما عند الله باق) النحل ٩٦

وقال تعالى:

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)

الحديد ٢٠". 

وقال تعالى 

(قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى) النساء ٧٧".


وقال تعالى:

(بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خيرٌ وأبقى) الأعلى ١٦ : ١٧ ".


قال تعالى:

(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾  طه ١٣١". 


والقرآن الكريم مملوء من التزهيد في الدنيا والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها والترغيب في الآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها، فإذا أراد الله بعبد خيراً أقام في قلبه شاهداً يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة، ويؤثر منهما ماهو أولى بالإيثار، وهذا ابن تيمية يقول:

" الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.


وقال سفيان الثوري:

الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء.


وقال الجنيد:

سمعت سرياً يقول إن الله عز وجل سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم.

وقال:

الزهد في قوله تعالى:

(لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد ٢٣".


فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود، ولا يأسف منها على مفقود.


وقال يحيى بن معاذ:

الزهد يورث السخاء بالملك، والحب يورث السخاء بالروح.


وقال ابن الجلاء:

الزهد هو النظر للدنيا بعين الزوال، فتصفر في عينيك، فيسهل عليك الإعراض عنها.


وقال ابن خفيف:

الزهد هو وجود الراحة في الخروج من الملك، وسلو القلب عن الأسباب، ونفض الأيدي من الأملاك، وقيل:

هو عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف 


وقال الجنيد:

الزهد هو خلو القلب عما خلت منه اليد.


وقال الإمام أحمد:

الزهد في الدنيا قصر الامل وعدم الفرحة بإقبالها، ولا حزنه على إدبارها 


وقال عبد الله بن مبارك:

هو الثقة بالله مع حب الفقر


وقال عبد الواحد بن زيد:

الزهد في الدينار والدرهم


وقال أبو سليمان الدارني:

هو ترك ما يشغل عن الله 


وسؤل رويم الجنيد عن الزهد فقال:

هو استصغار الدنيا ومحو أثارها من القلب وخلو اليد عن الملك والقلب عن التتبع.


وعن يحيى بن معاذ أنه قال:

لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال:

عمل بلا علاقة، وقول بلا طمع، وعز بلا رياسة


وقيل الزهد هو الإيثار عند الاستغناء، والفتوة الايثار عند الحاجة


وقال الإمام أحمد بن حنبل:

الزهد على ثلاثة أوجه

الأول، ترك الحرام وهو زهد العوام

والثاني، ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص 

والثالث، ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين


والذي أجمع عليه العارفون أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا، وأخذه في منازل الآخرة ومتعلقه ستة أشياء لا يستحق إسم الزهد حتى يزهد فيها وهي:

المال، والصور، والرياسة، والناس، والنفس، وكل ما دون الله.


ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن:

"ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن أن تكون بما في يدي الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة - إذا أُصِبت بها- أرغب منك فيها لو لم تصبك"

أخرجه الترمذي حديث ٢٣٤٠". 


وقد ورد عن الإمام الهروي امام أهل التصوف الرائق:

أن الزهد هو إسقاط الرغبة عن الشيء بالكلية، أي إزالته عن القلب وإسقاط تعلق الرغبة به بحيث لا يُلتفت إليه ولا يتشوق إليه، وهو للعامة قربة، وللمريد ضرورة وللخاصة خشية.


فالعامة تتقرب به إلى الله، وهو ضرورة للمريد، لأنه لا يحصل له التخلي بما هو بصدده، إلا بإسقاط الرغبة فيما سوى مطلوبه، فهو مضطر إلى الزهد كضرورته إلى الطعام والشراب، إذ التعلق بسوى مطلوبه لا يعدم منه حجايا أو وقفة أو نكسة على حسب بعد ذلك الشيء من مطلوبه وقوة تعلقه به وضعفه، وانما كان خشية للخاصة لأنهم يخافون على ما حصل لهم من القرب والأُنس بالله، وقرة عيونهم به، أن يتكدر عليهم صفوه بالتفاتهم إلى ما سوى الله، فزهدهم خشية وخوف، وهو على ثلاث درجات:

الدرجة الأولى- الزهد في الشبهة بعد ترك الحرام بالحذر من المعتبة والأنفة من المنقصة وكراهة مشاركة الفساق، كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم:

أن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلموهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات اتقى الحرام، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا إن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب.

"أخرجه الشيخان البخاري ومسلم"


فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام، وقد جعل الله عز وجل بين كل متباينين برزخا، كما جعل الموت وما بعده برزخا بين الدنيا والآخرة، وجعل المعاصي برزخا بين الإيمان والكفر، وجعل الاعراف برزخا بين الجنة والنار، وكذلك بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار.

ليس من الليل لتصرمه بطلوع الفجر ولا من النهار لانه من طلوع الشمس، وإن دخل في اسم اليوم شرعا 


والدرجة الثانية:

هي الزهد في الفضول وهو ما زاد عن المسكة والبلاغ من القوت باغتنام التفرغ إلى عمارة الوقت وحسم الجأش والتحلي بحلية الأنبياء والصديقين، وحسم الجأش هو قطع اضطراب القلب المتعلق بأسباب الدنيا رغبة ورهبة وحباً وبغضاً وسعياً، فلا يصح الزهد للعبد حتى يقطع هذا الإضطراب من قلبه بأن لا يلتفت إليها ولا يتعلق بها في حالتي مباشرته لها وتركه، فإن الزهد زهد القلب لا زهد الترك من اليد وسائر الأعضاء، فهو تخلي القلب عنها لا خلو اليد منها.


وأما الدرجة الثالثة:

فهي الزهد في الزهد وهو بثلاثة أشياء

احتقار ما زهدت فيه، فإن من امتلأ قلبه بمحبة الله وتعظيمه، لا يرى أن ما تركه لأجله من الدنيا، يستحق أن يجعل قرباناً

لأن الدنيا لا تساوى عند الله جناح بعوضة، فالعارف لا يرى زهده فيها كبير أمر يعتد به ويحتفل له، فيستحي من صح له الزهد، أن يجعل لما تركه لله قدرا يلاحظ زهده فيه، بل يفنى عن زهده فيه، كما فني عنه ويستحي من ذكره بلسانه وشهوده بقلبه واستواء الحالات فيه عنده، فهو أن يرى ترك ما زهد فيه وأخذه متساويين عنده، إذ ليس له عنده قدر، فيكون زاهد في حال أخذه، كما هو زاهد في حال تركه،

إذ همته أعلى عن ملاحظته أخذاً وتركاً لصغره في عينه، والذهاب عن شهود الاكتساب، ومعناه أن من استصغر الدنيا بقلبه واستوت الحالات في أخذها وتركها عنده، لم يرَ أنه اكتسب بتركها عند الله درجة البتة لأنها أصغر في عينه من أن يرى أنه اكتسب بتركها الدرجات.

وفيه معنى آخر:

وهو أن يشاهد تفرد الله عن وجل بالعطاء والمنع، فلا يرى أنه ترك شيئاً ولا أخذ شيئاً، بل الله وحده هو المعطى المانع، فما أخذه فهو مجري لعطاء الله إياه، كمجرى الماء في النهر، وما تركه لله فالله سبحانه وتعالى هو الذي منعه منه، فيذهب لمشاهدة الفعال وحده عن شهود كسبه وتركه، فإذا نظر إلى الأشياء بعين الجمع وسلك في وادي الحقيقة، غاب عن شهود اكتسابه ناظراً إلى وادي الحقائق، وذلك زهد الخاصة.

وتراه في قول الشاعر:


إذا زهدتني في الهوى خشية الردى

جلّت ليّ عن وجه يزهد في الزهد 


"يراجع كتاب مدارج السالكين للعلامة ابن القيم الجزء الأول"


وإذ التقيت أستاذي الأزهري النابه ودار الحديث بيننا حول الزهد والفقر والغنى، فقال إن أفقر الفقراء، ليس هو الذي لا يجد غذاء بطنه، ولكنه هو الذي لا يستطيع أن يجد غذاء شعوره، فلا تحسبن أن مع جنون الضمير وجفوته ومرضه سعادة وراحة، لأن لذة المال لا تتجاوز الحواس الظاهرة، فهو يبتاع لها كل شيء مما تشتهي، ولكنه لا يستطيع أن ينيل القلب شيئاً إلا إذا جاءه بالخير والفضيلة.


فلما سألته عن المال وحب المال ووظيفته في الحياة؟

قال:

ما أشبه المال يابني أن يكون آلة من آلات القتل، فإنه يميت أكثر أصحابه موتا شرا من الموت، إلا من عصم الله، موتا يجعل أسمائهم قائمة على ألواح من العظام النخرة، ويرسلها كل يوم إلى السماء في لعنات لا عداد لها، ثم يثبتها التاريخ آخراً لا بأعيانها ولكن بعددها، أو كما تثبت السجلات الحكومية في كل سنة عدد البهائم التي نفقت من الأمراض، فهذا الشخص الميت وهو بعد في الأحياء لا يبلغ في قدر نفسه على الحقيقة أكثر من مقدار حجمه بين … بين … بين جيفة حمار!

فقلت له: أستاذي ربما كان الرجل نبات نعمة الله وأنه سيكون حصاد نقمته، فهذه منزلة من البؤس والخذلان يستعاذ بالله منها وكم رأينا من أناس تخصب أبدانهم حتى ليضيق بهم الجلد سمنة، ويكاد أحدهم ينشق مرحا ونشاطا، ثم لا يكون هذا الخصب الذي استمتعوا به شطرا من العمر، إلا سبباً في أمراض تستوفي الشطر الآخر


(ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون) الحجر ٣".


وأردف أستاذي إن من الخطأ الكبير أن تقضي لفلان بمتاع الدنيا، فإنك لا تدري أشر أريد به أم الخير، وكيف تحكم على غناه بفقرك وعلى أماله بيأسك، وعلى شخصه بظلك وعلى نهاره بليلك وعلى عمره كله وهو بعد حي لم يوف عمره، ولا تدري ما عسى أن يكون فيما بقي ؟


ألا دعه حتى يستنفد أيامه المكتوبة، ويستوفي أنفاسه المقدرة، فلعل مصيبة قادمة في الغيب، وكأن غناه مقدماتها، وعلى قوة المقدمة تقاس قوة النتيجة، فإذا مات الغني ولم يعرف في جملة عمره هماً ولا غماً، يعدل بؤس الفقر مهما اشتد الفقر


فكفى حينئد بالموت في جملة من تلك الحياة وإنما الحياة جملة ستنقضى فسواء انقطع الخيط من أوله أو من وسطه أو من آخره فقد انقطع!


تقول إن لهم متاع الحياة!

ولو أنصفت لقلت: إن لهم بؤسها الممتع!

فإنهم يجمعون المال من طرقٍ لا تؤتيه إلا نكدا، ثم يرسلونه في طرق أخرى ليجمعوه، وهلم كما تدور دابة الطاحونة وهم لم يألموا كما تألم، فإن يد الله غمزتهم من مكان قريب غمزة مؤلمة، وما أحسب الضجر من اللذات، قد خلق للأغنياء وحدهم، وناهيك عن بلاء يأمر النفس بالنعم صنوفا وألوانا، حتى ينكر لها معنى النعمة فتراها وقد ثابر عليها الضجر متكرهة ولكن لا تريد الكراهية، ومتسخطة ولا ترغب في السخط، ومتألمة ولا تعرف مم ألمها، ولا تبرح دائبة تلتمس نعمة لم يخلقها الله لتحبس منها لذة لم يعرفها الناس.

فقلت لولا هذا البلاء يا أستاذي لما أصبت على الأرض غنيا كهؤلاء الوارثين قصرت به لذة وجه أختها لتسلمه الواحدة إلى الأخرى، ويجذبه بكل حروف الجر، من وإلى وفي وعلى، بين الخمر والقمار والفسق وما لا يحسن أن يسمى حتى تسلمه اللذة إلى الفقر أو القبر، ولو أن ضجر اللذات يصنع بكل الأغنياء هذا الصنع لفسد 

الكون، بيد أن الله تعالى أراد عمرانه فجعل في طباع أكثر الأغنياء لؤما ذهبياً يكسر من ثورة هذا الضجر كما يفثأ الماء البارد من الماء حين يمتزجان، واختتم قوله معي

ان القوم اما كريم يضجر واما لئيم يضجر فيمسك وكلامها يجد لذته ويضجر من لذته، فهم كما هم ونحن كما نحن وكلنا سواء كما ترى وكأن أم المصيبة حين ولدت وضعت بنتين، المصيبة التي تؤلم والنعمة التى لا تلذ

فقلت حقا ليس أشقى ممن منع السعادة وأعطي الرغبة فيها، إلا الذي أعطي السعادة ومنع اللذة منها.

"

يراجع كتاب المساكين للأديب مصطفى صادق الرافعي"


فاللهم إنا نسألك زهداً يزيل عن قلوبنا حب الدنيا فإنك سلبت الدنيا عن أوليائك، وحميتها عن أصفيائك، وأخرجتها من قلوب أهل ودادك 

اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا واحفظ بلادنا من كل مكروه وسوء وارفع رايتها عالية خفاقة تناطح الجوزاء وتزاحم الشمس عند الجلاء 

وصلي اللهم وسلم على حبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى من والاه إلى يوم الدين 

ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم 

ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر 

ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر 

ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء 


المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️

تعليقات