📁 آخر الأخبار

❤️🌹🌳نفحات ولفحات 2 🔥🌵🪱

 



حاولت النوم البارحة بعد صراع مع الأفكار وبعد إعياءٍ وتوعكٍ شديد فظفرت في الهزيع الأخير من الليل بقسط من نوم هانئ فإذا بأستاذي يأتيني من عالم البرزخ بوجهه الصبوح وهو يقرأ قول الله تعالى:

(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا) آل عمران ٣٠".

وذكّرني أن الآية تشير إلى يوم تشيب فيه الولّدان وتسير فيه الجبال ويظهر فيه الوبال وتنطق فيه الأعضاء بالخصال، يوم لا تُقال فيه الأعثار، وكم من أعذار تُقال فترى من قد افترى، يوم يُقدّم قدما ويؤخر أخرى فينصب الصراط، فناجٍ وواقع، ويوضع الميزان فتكثر الفظائع، وتنشر الكتب وتسيل المدامع، وتظهر القبائح بين تلك المجامع، ويؤلم العقاب وتُملىَ المسامع، ويخسر العاصي حينئد ويربح الطائع، فكم غني قد عاد من الخير مفتقراً.

فلما سألت أستاذي متى هو؟ قال: 

يوم يقوم الناس لرب العالمين 

فسألته وما حال الخلائق يومها؟

قال: يا له من يوم يقتص فيه المظلوم من الظالم، وتُحيط بالظالم المظالم، وتصعد القلوب إلى الغلاصم، وليس لمن لا يرحمه الإله عاصم.

واستطرد يذكر أنه حتى المؤمنين يحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِبوا وَنُقّوا أُذِن لهم بدخول الجنة 

"صحيح رواه البخاري ٢٤٤٠، وأحمد ١٠٧١١" 

وبينما هو واقف يحادثني سمعنا هاتفاً ينادي 

 يابن آدم أما تعلم أن الموت يسعى في تبديد شملك، 

أما تخاف أن تؤخذ على قبيح فعلك، وعجبا لك من راحل تركت الزاد في غير رحلك، أين فطنتك ويقظتك وتدبير عقلك؟، أما بارزت بالقبيح فأين الحُزن؟، أما علمت أن الحق يعلم السر والعلن، ستعرف خبرك يوم ترحل عن الوطن وستنتبه من رُقادك ويزول هذا الوسن.

ثم أردف أستاذي ينادي يا مبارزاً خذ للذنوب حذرك وتوقَ عقابك بالتُقى فقد أنذرك، وخلّ الهوى فإنه كما ترى صيّرك، قبل أن يغضب الإله ويضيق حبسه (ويحذركم الله نفسه) آل عمران ٢٨". ثم نظر إليّ وقال:

فاجتهد -بنيّ-  في تقوية يقينك قبل خُسر موازينك، وقم بتضرعك وخفيتك قبل نشر دواوينك، وابذل قواك في ضعفك ولينك، قبل أن يدنو العذاب فتجد مسه وإلى من قد وهى شبابه، وامتلأ بالزلل كتابه، أما بلغك أن الجلود إذا اُستشهِدت نطقت، أما علمت أن النار للعصاة خلقت، إنها لتحرق كل ما يُلقى فيها فيصعب على خزنتها كثرة تلاقيها، التوبة تحجب عنها والدمعة تُطفيها.

"فلو أن قطرة من الزقوم قُطِرت في الأرض لأمرَّت على أهل الدنيا معيشتهم" رواه الترمذي ٢٥٨٥". 

فإذا بهاتفٍ يعلو صوته يقول: أسفاً لأهل النار لقد هلكوا وشقوا، لا يقدر الواصف أن يصف ما قد لقوا، فهم بين مقطعات النيران وسرابيل القطران وضرب المقامع وثِقل السلاسل، كلما عطشوا جيئ بالحميم فَسُقُوا، وهذا جزاؤهم إذا خرجوا من الطاعة وفسقوا، قُطِّعوا والله بالعذاب ومُزِقوا، وأُفِرد كلٌ منهم عن فريقه وَفُرِّقوا، فلو رأيتهم قد كُلِّبوا في السلاسل وأوثقوا واشتد زفيرهم وتضرع أسيرهم وقلقوا، وتمنوا أن لم يكونوا وتأسفوا كيف خُلِقوا، وندموا إذ أعرضوا عن النصح وقد صدقوا، فلا اعتذارهم يُسمَع، ولا بكاؤهم ينفع ولا أُعتِقوا.

فسألته أين الذين كانوا في اللذات يتقلبون ويتجبرون على الخلق ولا يُغلبون؟ وأين الذين ضلوا وأضلوا وضيعوا الحقوق والدماء؟ أين من مدوا أعينهم ونطقت ألسنتهم بالفسق والضلال والفريات؟ أين من ضيعوا الحقوق وأكثروا من الزلل والآثام؟

رد أستاذي: 

مرحبا لهم كئوس المنايا "ما أغنى عنهم ما كانوا يُمَتَّعون"، كم وُعِظُوا بمنثور ومنظوم من الكلام، لو أنهم يسمعون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون، دعا عليهم أصحاب الحقوق بليلٍ والناس نائمون، فحق عليهم العذاب المهين، يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم يصيحون جثياً على ركبهم مأسورين بما في كتبهم لا يدرون ما يراد بهم، قد جُمِعوا في صعيد ينتظرون حلول الوعيد والأرض بالخلق كلهم تميد، والعبرات على العثرات تزيد، "إن بطش ربك لشديد"، 

زفرت والله الحطمة. في وجوه الظلمة والفسقة فذلوا بعد العظمة وخرسوا عن كلمة.

فعقّب أستاذي وقال:

ألا يعلم العاصي أنه قد غرس لنفسه شجرة يتساقط عليه كل حين منها ثمرة ندم من غير هز، فإذا قام في القيامة شاهد أغصان ما غرس، وقد تعاظمت متى أخذت بَر البِر، فإن غُفِر له لم يذل حييا مما جنى، وإن عوقب ذاق مُر الجنى وهذا الأسى الطويل إنما جره جرجرة الهوى، ولو قنع بالطامة التي تسمع بها عين المباح لارتوى من غير أذى.

يا أعمى البصيرة وما له قائد، يا قتيل الأمل لست بخاله، يا مغرق الهموم والمقصود واحد، إن لاحت الدنيا فشيطان مارد، تقاتل عليها فَتَكِرُ وتطارد ما تعرف الله إلا في أوقات الشدائد، يا أعمى القلب بين القلوب ستدري دمع من يجري ويذوب، ستعرف خبرك عن الحساب والمحسوب، أين الفرار وفي كف الطالب بالمطلوب، تنبه للخلاص أيها المسكين، أعتق نفسك من الرق يا رهين، احذر غرور الدنيا فمال الدنيا يمين، كأنك بالموت قد برز من كمين، وآن الأمر فوقعت في الأنين، كيف ترى حالك إذا ضربت الشمال باليمين، ثم نقلت ولقبت بالميت الدفين وأسفاً لعظم حيرتك ساعة التلقين، يا مستوٍ على الذنوب غدا تتجلى وتبين، متى هذا القلب القاسي يرعوي ويلين، عجبا لقسوته وهو مخلوق من طين، وتَذكّر كيف تنعم بمال المظلوم الظالم، وبات لا يبالى بالمظالم، والمسلوب يبكي ويبكي الحمائم، وما كفاه أخذ ماله، أين من كانوا جمعوه كم ليموا وما سمعوه؟ 

كم قيل لهم لو قبلوه، كم من كاسب للمال من حله وحرامه، كان يحاسب شريكه على عود خلاله!،  ولا ينفق شيئا في تقويم خلاله، لما وقع صريعاً بين أشباله اشتغلوا عنه بانتهاب ماله، ثم في اللحد نكسوه "أحصاه الله ونسوه"

وإذا بالمنادي ينادي هاتفاً: أين الوالدون وما ولدوا؟، 

أين الجبارون وأين ما قصدوا؟،

أين أرباب المعاصي على ماذا وردوا؟،

أما جنوا وحصدوا؟، أما قدموا على أعمالهم في مآلهم ووفدوا؟، أما طلبوا زاداً يكفي في طريقهم فقعدوا؟،

أما حل الموت فحل عقد ما عقدوا؟، 

عاينوا والله كل ما قدموا ووجدوا فمنهم أقوام شقوا وأقوام سعدوا، اللحود بيوتهم بعد الترف واللين، والقيامة تجمعهم وتُنصب الموازين، والأهوال عظيمة فأين المتفكر الحزين؟،

وارتفع صوته وهو يقول: 

يا رهين الآفات والمصائب، يا أسير الكارثات والنوائب، إياك والأمال الكواذب، فالدنيا دار ولكن ليست بصاحب، أما أرتك في فعلها العجائب فيمن مشى في المشارق والمغارب؟!، ثم أرتك فيك شيب الذوائب، إن سهام الموت الصوائب لا يردها محارب ولا يفوتها هارب، تدب إلينا دبيب العقارب، بينا نسمع صوت مُزهرٍ صار صوت نادب، يا أسير حب الدنيا كأنك بك قد بِت فرحاً مسروراً فأصبحت ترحاً مثبورا، وتُرِك مالك لغيرك موفورا، وخرج من يدك فصار للكل ميسورا ، وعاينت ما فعلت في الكتاب مسطورا، وعلمت أنك كنت فى الهوى مغروراً، واستحالت صَبا الصِبا فعادت دَبُورا، وأُسْكِنت لحداً فصرت فيه مأسوراً نزلت جدثاً خرباً إذ تركت قصراً معموراً ودخلت في خبر كان (وكان أمر الله قدرا مقدورا) الأحزاب ٣٨".

أين العتاة المتجبرون؟، أين الفراعنة المتسلطون؟، أين أهل الخيلاء المتكبرون؟، أين اللذين تقلبوا بين اللذات في فنون؟وأخرجهم البطر إلى الجنون؟، فآتاهم ما هم عنه غافلون،

(ثم إنكم بعد ذلك لميتون) المؤمنون ١٥". 

ويحكم الدنيا دار ابتلاء وفتون وقد زجركم عنها المُفتون، وكم رأيتهم من هالك بها مفتون وكأنكم قد حُمِلتم على المتون، كم أدلكم على النظافة وتختارون الأُتون؟.


يراجع كتاب التبصرة لابن الجوزي ص ٦٤ : ٦٧ 

وسألته ماذا عن المتقين؟

قال:

حسبك بنيّ أن قوما موتى تحيا بذكرهم النفوس، وأن قوما أحياء تقسو برؤيتهم القلوب وأضاف قائلا: 

سبحان من أنعم على المتقين وأفادهم وأعطاهم مناهم وزادهم، لطف بهم وهداهم وأحسن إليهم ورعاهم، وعطشوا من مياة الهوى وسقاهم، أذلوا له النفوس فرقّاهم، وأجرى لهم أجراً لا يوازى، ووهب لهم في مفازة الخطر مفازاً، وأنجز موعدهم يوم اللقاء إنجازا، وجازى عباده على سابق العبادة

(للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) يونس ٢٦". 

 فَحُطت خطاياهم وكلما طلبوا من فضل سيدهم أعطاهم، قصورهم في الجنان عالية، وعيشتهم في القصور صافية وهم في عفو ممزوج بعافية، وتطوف الأشجار ومن القوم دانية، وأقدامهم على أرض من المسك ساعية، وأبدانهم من السندس والاستبرق كاسية، والعيش لذيذ والملك عظيم، رضي عنهم جبارهم، وأشرقت برضاه دارهم، وصفت ببلوغ المنى أسرارهم، فارتفعت من كل وجه أكدارهم، ووردت في الجنان أشجارهم، واطردت تحت القصور أنهارهم، وترنمت على الورق أخبارهم، والملائكة تحفهم وتخصهم بالتسليم، والعيون تجري من رحيق وتسنيم، والملك قد وصفهم في الكلام القديم،

نظر إليهم مولاهم فارتضاهم وأنعم عليهم فاختارهم واصطفاهم، وأعطاهم من فضله وإحسانه مُناهم، ومنحهم ما لا يخفى من الخير وحباهم، وأطعمهم وسقاهم وأجلسهم على موائد الفوائد من زوائد التمكين، لقد لذ نعيمهم وطاب ودام تكريمهم وزال العتاب وتوقر عظيمهم بين الأحباب ونجى غريمهم من ورطات الحساب، فأشرقت ديارهم وفُتحت الأبواب، وطاف عليهم الولدان في المقام الأمين، فما أعز تكريمهم وما أكرم كريمهم، قد مُنحوا الخلود فما يبرحون، ثمارهم في أشجارهم وافرة وفواكههم من العيوب طاهرة، ووجوههم بأنوار القبول ناضرة، وعيونهم إلى ربهم ناظرة، زال العنا عنهم وأقبل الروح والفرح وارتفعت الهموم عن الصدور فانفسح الصدر وانشرح ورضي الرب فأعطى المني وأولى ومنح، وطاف عليهم الولدان بالأكواب فيا لذة الشراب ويا حسن القدح، وذلك بعد أن أعد لهم اوفى الذخائر وهذب منهم البواطن والظواهر وجعلهم بين عباده كالنجوم الزواهر، وبنى لهم الغرف باللؤلؤ والجواهر، فهم في مجد كريم وسعد غير محدود، استزارهم إلى جنته، وخصهم بكرامته، وأنعم عليهم برؤيته، وجعلهم في حصن حصين من رعايته في ظل نعيم دائم ممدود.

فتاقت نفسي إلى الجنة ونعيمها وثمارها وقصورها ولقاء الأحبة فيها والتمتع بلذة النظر إلى وجه الكريم المنان.

فاللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار ولا تجعلنا من المخالفين الفُجار، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، يا من لم يزل يُنعم ويجود برحمتك يا أرحم الرحمين، وصل على الشفيع الحبيب وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين 

ما هبت النسائم و ما ناحت على الأيك الحمائم 

ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر 

ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر

ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء


المستشار: عادل رفاعي 🌹❤️

تعليقات