أنهكتني أحداث الأيام المنصرمة و أصابت نفسي بملالة ظلت تعربد في جسدي ونفسي وروحي حتي أفقدتني الرغبة في لقاء الناس فمِلت إلي العزلة لاستعيد لياقتي النفسية و الروحية فغفوت اليوم غفوةً فأخذتني سِنةٌ من نوم وبينما أنا في هذه الحال إذ جاءني أستاذي كعادته في ثيابه البيضاء وطلعته البهية وقسماته النورانية و وجهه الصبوح وابتسامته الرائعة فما أن رأيته حتي عانقته شوقا ونظر إليّ وجهي مليا و أنبأني أن ما حل بساحتي لم يكن إلا عارضا من عوارض الدهر فالأيام قُلَّب و أكد أن ما وقع كان مخبوءً في طيات صحف الأقدار كتبت أحداثه بقلم أزلي مسموع الصرير مرهوب النفير فلما صرخت و ماذا عن النذالة والخيانة وأهل السوء ؟؟ فرد أن الذي استلبك مالك وغدٌ حقير وكل من نبت جسمه علي الحرام فمكاسبه كبريت به يُوقد عليه .
الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب وهو هالك لا محالة مقضي عليه حتما
فهو ساقط والساقط لا ينهض وعدم والعدم لا يقوم هو ومن شابهه أتَرَّاهم نسوا طي الليالي لمن تقدمهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فما هذا الاغترار وقد خلت من قبلهم المثلات فهل ينتظرون إلا مثل ايام الذين خلوا من قبلهم.
من لهم إذا طلبوا العودة فحيل بينهم وبين مايشتهون سبحان الله كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة أو ضعيف و احترقت كبد يتيم وجرت دمعه مسكين (كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون) (ولتعلمن نبأه بعد حين)
فهؤلاء ما ابيض لون رغيفهم حتي اسود لون ضعيفهم وما سمنت أجسامهم حتي انتحلت أجسام من دونهم
"يراجع كتاب الظلم وانعكاساته على الإنسانية للأستاذ الدكتور محمد عثمان غنيم"
فلما ذكرته أن من سرق راتبي لاهٍ فرح بل وأنه يحتقر دعائي وأنا المظلوم رد بانه شقيٌ تعس فقلب المظلوم محمول بعجيج صوته إلي سقف بيته ويحه نبال أدعية المظلوم مصيبه و أن تاخر الوقت قوسه قلبه المقروح و وتره سواد الليل وأستاذه صاحب (لأنصرنكِ ولو بعد حين)
و أردف يذكر أنه رأي لكنه ليس يعتبر فما أغباه إذ لم يحذر عداوة من ينام وطرفه باكٍ يُقلِّب وجهه في السماء يري سهاما مالها غرض سوي الأحشاد منه قلت إنه عابث مسرور بما اقترف فرد أستاذي لعلها إذا كانت راحة اللذة تثمر ثمر العقوبه لم يحسن تناولها ما تساوي لذة سِنة غم ساعة فكيف والأمر بالعكس كم في يم المغرور من تمساح فليحذر الغائص سيعلم هذا الغر عند تعلق الغرماء به فان المرء يا ولدي مالم يتتبع بمنقاش العدل شوك الظلم من أيدي التصرف آثر ما لا يؤمن تعديه إلي القلب ثم صاح يا أرباب المظالم لا تعربدوا في سُكْر القدرة فصاحب الشرطة بالمرصاد فسألته وما المصير ؟
قال أن سليمان الحكيم قد حبس عاصف العقوبة في حصن ( فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا)
و أجري رحا الرخا (لئلا يكون للناس علي الله حجة )
فلو هبت سموم الجزاء من مهب ( ولئن مستهم نفحة )
قلعت سكري (إنما نملي لهم) فاذا التلف ينادي بينهم( لا عاصم اليوم من أمر الله) فسألته وما جنايتي ؟؟
قال ياولدي لابد أن تتذكر من أين أتيت فإنك لا تلقي كدرا إلا من طريق الجناية ( إن الله لا يغير مابقوم حتي يغيروا ما بانفسهم) (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم )
فربما كنت في جانب التقصير وأنت لا تدري ربما غفلت عن واجبات لمساكين أو معوزين أو ضعفاء كنت تعينهم علي نوائب الدهر فانصرفت عنها طلبا للراحة فحُرمت من دعوات كانت تخترق الحجب وتشق أبواب السماوات فأراد الجليل أن يسمع صوت مناجاتك وأن يعيدك إلي سالف عهدك فعاودت سؤاله عمن أفسد عليَّ أوقاتي رد بقصة لبّان كان يخلط الماء باللبن فجاء سيل فذهب بالغنم فجعل يبكي فهتف به هاتفٌ اجتمعت تلك القطرات وتعاضدت وتساندت فأضحت سيلا وغدت طوفانا فسألته النصيحة فرد أذكر غفلتك عن الأمر والأمر وقت الكسب ولا تنسي أطراح التقوي عند معاملة الخلق فإذا انقض غاصب فسمعت صوت سوطه يضرب عقد المكسب جزاء لجنايته فلا تستعظم ذاك فأنت الجاني والبادي أظلم ثم أطرق قليلا ونظر إلي السماء وقال بصوت خاشع متهدج لو صدق عزمك قذفتك ديار الكسل إلي بيداء الطلب .
الناقد يخاف دخول المبهرج عليه واختلاطه بماله والبهرج أمنه فهذا أبو بكر يمسك بلسانه ويقول هذا أوردني الموارد وهذا الفاروق يناشد حذيفه هل أنا منهم ؟!
والمخلط علي بساط الأمن إذا جَنًَ الليل وقع الحرب بين النوم والسهر فكان الشوق والخوف في مقدمة عسكر اليقظة وصار الكسل والتواني في كتيبة الغفلة فإذا حمل الغريم حملة صادقة هزم جنود الفتور والنوم فحصل الظفر والغنيمة فما يطلع الفجر إلا وقد قُسمت السهام وما عند النائمين خبرٌ قام المتهجدون علي أقدام الجد تحت ستر الدجي يبكون علي زمن ضاع في غير الوصال ما زالت مطايا السهر تذرع بيداء الدجي وعيون آمالها لا تري إلا المنزل وحادي العزم يقول يا رفقة الليل طاب السير فاغتنموا المسري فمن نام طول الليل لم يصل ولكن رفقا بالساعي أن يتعثر فتش عن القلب الضائع قبل الشروع فحضور القلب أول منزل من منازل القرب فإذا نزلته انتقلت إلي بادية المعني فإن رحلت عنها أنخت بباب المناجاة فكان أول قِري ضيف اليقظة كشف الحجاب لعين القلب فكيف يطمع في مدينة الحب من لم يخرج إلي الباديه بعد؟؟ فقلت فكيف السبيل يا أستاذي ؟؟
قال لو أحب الخلق معبودهم لحضر القلب في عبادته وتعاهدت قلوبهم بذكر الجنة والنار ليعتدل الحمل فإن غلبهم الهوي فاللطف دواء ناجع مع الضعف لما كانت النملة ضعيفة البصر أُعينت بقوه الشم فهي تجد ريح المطعوم من البعد الأطيار تترنم طول النهار وكل شئ يسبح بطريقته فإذا بتيجان الرضا قد وُضعت وشراب الوصال مروق فمدوا أيديهم إلي ما اعتصروا من خمر الهوي فإذا بها قد انقلبت خلا فأفطروا عليها فسكروا بشراب المحبة فلما عربدت عليهم المحبة صُلبوا في جذوع النخل واعجبا لعزمات ما ثناها (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) سجدوا له سجدة واحدة فما رفعوا رؤوسهم حتي رأوا منازلهم من الجنة فغلبهم الوجد وتمكن منهم الشوق فقالوا(اقض ما انت قاض إنما تقضي هذه الحياه الدنيا) وختم حديثه معي المؤمنون ياولدي الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم حر الخوف صيف الذوبان وبرودة الرجاء شتاء العطله ومن لطف به فزمانه كله فصل ربيع فلما رجوته الزيادة قال إذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة فإن أيدي المعاشرة نهاية واحذر معاشرة البطالين فإن الطبع لصٌ لا تصادقن فاسقا _كالذي سرقك _ ولا تثق إليه فإن من خان أول مُنعم عليه لا يفي لك .
يافرح التوبة لازم ذكر الخلوة فإن هر الهوي صيود إياك والتقرب من طرف الوكر والخروج من بيت العزله حتي تتكامل نيات الحوافي وإلا كنت رزق الصائد .
الأنس بالخلوة دبقٌ أول ما يعلق جناح الطير والمخالطة توجب التخليط وأيسرها تشتيت الهمة وضعف العزيمة واعلم أن التائب حبيب والفقير غني والمنكسر صحيح وتنكيس رأسك بالندم هو الرفعة واعترافك بالخطأ نفس الإصابة فأنين المذنبين أحب إليه تعالي من زجل المسبحين و أنات العاصين أحب إليه من ترانيم الشاكرين.
"يراجع كتاب بدائع الفوائد للإمام ابن القيم"
ثم نظر إليَّ مليا وقال لا تمد القوس ومالها وتر كم بذل نفسه إنسان مراءً ليمدحه الخلق فذهبت نفسه فانقلب المدح ذماً ولو بذلها لله لبقيت ما بقي الدهر وأخذ ينادي يا من هبت علي قلبه جنوب المجانبه فتكاثفت عليه غيوم الغفله فاظلم افق المعرفه لا تيأس فالشمس تحت الغيم
ثم تبخر أستاذي كعادته وانصرف بسلام بعد أن أوجعني نصحا .
جزي الله أستاذي عني خيرا كان عالما جليلا مبذول النصيحة حيا وميتا فاللهم اجمعني به وسائر أحبابي في فراديس الجنان برفقة النبي العدنان شفيع الأنام صلي الله عليه وسلم
المستشار : عادل رفاعي 🌹❤️
