تحقيق - السيد عاشور
شبرا ملس وميت هاشم وكفر العزيزية وكفر ششتا تلك القرى ومحيطها الكبير بمركزى زفتى وسمنود بمحافظة الغربية التى تقوم بزراعة الكتان ما يربو عن 40 ألف فدان تحتل مكانة عالمية متميزة تستحوذ على نحو 10 % من الانتاج العالمى ما تجعل منه محصولا إستراتيجيا لا يقل القطن المصرى فسيقان الكتان النحيلة التى تزين الحقول فى العديد من المحافظات ليست مجرد نبات شتويّ عاديّ بل هى حكاية حضارة ممتدة منذ أبدع أجدادنا الفراعنة فى غزل خيوطها لكساء الملوك وتحنيطهم!!
وكان الاهتمام كبيرا من القيادة السياسية بالتكتلات الزراعية ذات العائد الاقتصادى الكبير حيث تحرص وزارة الزراعة والأجهزة وبالتعاون مع الغربية على تنمية هذه الثروة الزراعية وتقديم كل الدعم لمنتجيها ومصنعيها فى قرى الكتان خاصة قرية شبراملس والتى تعتبر أحد الأرقام الصعبة فى معادلة تجارة الكتان العالمية .
ونظرا لما يتعرض له هذا المحصول الهام من مخاطر وتحديات وفى مقدمتها الحرائق المتكررة كل موسم حصاد والذى يمتد من أواخر شهر مارس وحتى بدايات شهر مايو فقد حرصنا على مشاركة مزارعى ومصنعى الكتان للتعرف على كيفية النهوض بهذه الصناعة لا سيما أن هذه القرية تضم أكبر عدد من مصانع الكتان وتمثل المركز الرئيسى له حيث يتم نقل المحصول من مختلف المحافظات إلى "القرية الأم" .
بداية قال الدكتور أحمد الصباغ أستاذ ورئيس قسم البساتين بكلية الزراعة جامعة دمنهور أن الكتان محصول إستراتيجى لما يمثله من قيمة اقتصادية كبيرة ترفع من الدخل القومى حيث يتم تصديره للعديد من الدول وفى طليعتها الصين والهند وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا؛ لما يتميز به من جودة مثل القطن المصرى طويل التيلة لافتا إلى أن قرى الغربية تقوم بزراعة أكثر من 40 ألف فدان سنويا وحدها بطاقة إنتاجية تصل لأكثر 20 ألف طن ويتم تصدير نحو 15 ألف طن منه وتعمل الدولة على التوسع فى زراعته ومضاعفة إنتاجه بالتوسع الأفقى والرأسى فى زراعته من خلال زراعة أصناف عالية الإنتاجية مقاومة للأمراض مما يزيد من الإنتاج وبالتالى زيادة الدخل القومى بالعملة الصعبة .
ويوضح الحاج محمد يوسف سرحان رئيس مجلس إدارة أحد أكبر قلاع صناعة الكتان بشبرا ملس أن مزارع الكتان هو الرقم الأصعب فى المعادلة ولذلك لا بد من الاهتمام بضرورة تقديم كل أوجه الدعم له بتوفير مستلزمات الإنتاج إلى جانب تعظيم العائد بتقليل تكاليف الإنتاج وزيادة الإيرادات خاصة أن الكتان هو النبات الوحيد الذى يُستفاد من كل جزء فيه سواء أليافه أو بذوره مما يجعله بحق كالذهب فى قيمته الاقتصادية .
ويضيف الحاج عبدالله يوسف سرحان أن مصنعى الكتان يواجهون تحديات وصعوبات متعددة تتسبب فى تكبيد بعضهم خسائر كبيرة الحرائق المتكررة كل موسم بسبب عمليات التشوين والتخزين التى تعجز قرية شبرا ملس وغيرها من القرى المجاورة عن استيعابها حيث يتم تجميع كل المحصول المزروع فى محافظات الغربية والبحيرة وكفر الشيخ والشرقية والإسكندرية حتى محافظات المنيا وسوهاج وأسيوط وبنى سويف والوادى الجديد مما يمثل تهديدا لهذا المحصول الإستراتيجى الذى يعمل به أهالى هذه القرى وتقوم عليه صناعات متعددة وأن التحدى الآخر يتمثل فيما يُعرف بـعاطن الكتان والتى لا غنى لصناعة الكتان عنها وهى عبارة عن أحواض خرسانية كبيرة تُملأ بالمياه لتخمير سيقان الكتان ونقعها فى الماء وهى عملية أساسية تتم بعد حصاد المحصول وفصل بذوره، حيث يتم غمر سيقان الكتان الجافة بالكامل فى المياه لمدة تتراوح نحو 15 يوما لفصل الألياف (شعر الكتان) عن الساق دون إتلافه والتى يتم تجفيفها، وتمشيطها، لتصنع منها أجود الأقمشة والملابس وتصدر للخارج. أما ساق النبات فيتم الاستفادة منها فى صناعة الخشب الحُبيبى ما يلزم تقنين أوضاع هذه المعاطن والتوسع فى إنشائها باعتبارها ركيزة أساسية فى صناعة الكتان لان إزالتها يتسبب فى إلحاق خسائر فادحة للمزارعين .
ويشير الحاج عبدالله سرحان أن حرص الدولة على تنمية القرى المنتجة والاهتمام بالتكتلات الصناعية والزراعية يؤكد أن أى مشكلات قد تعوق عملية الإنتاج فى طريقها للحل خاصة (الكتان) والذى تقوم عليه صناعات عديدة وتعيش عليه آلاف الأسر لا بد من تبنى الدولة عملية تخصيص مناطق صناعية للكتان فى أكثر من محافظة حتى يتم القضاء على مشكلة التشوين والتخزين داخل القرى والتى تواجه حرائق متكررة تكبد المزارعين والمصنعين خسائر بملايين الجنيهات لاستقبال ما يزرع من كتان ويشجع المزارعين على التوسع أكثر فى زراعة الكتان خاصة فى الأراضى الجديدة المستصلحة .
ويطالب المهندس على مكى المستشار الزراعى لأحد أكبر مصانع الكتان بمنطقة شبرا ملس بضرورة توجه الدولة لإنشاء مصانع لغزل ونسج الكتان وذلك بالاستفادة من التطوير الضخم الذى تشهده مصانع غزل المحلة، الأمر الذى يزيد من الدخل القومى أضعافا مضاعفة حيث سيتم توفير مئات الملايين من العملة الصعبة التى يتم بها استيراد غزول الكتان وأقمشته بعد تصنيعها فى الخارج وغيرها من الصناعات العديدة التى يدخل بها .
ولفت المهندس على مكى إلى أن الغربية تحتل المركز الأول على مستوى الجمهورية فى زراعة الكتان بإجمالى مساحة تبلغ أكثر 40 ألف فدان لذلك فهى فى حاجة ماسة إلى إنشاء معاطن جديدة للكتان لاستيعاب حجم الإنتاج بالإضافة إلى أهمية إنشاء مصانع جديدة لاستيعاب الخام الناتج من عمليات التعطين والعمل على استكمال حلقات التصنيع من خلال إنشاء مصانع لغزل ونسيج الكتان بما يسهم فى تعظيم القيمة المضافة للكتان.
ويؤكد المهندس على مكى أن الكتان المصرى فى شبرا ملس وقرى زفتى وسمنود سيبقى شاهد صدق على عبقرية الفلاح والصانع المصرى الذى استطاع بإمكانات ريفية بدائية أن يغزو الأسواق الصينية والأوروبية. ويظل التحول من تصدير الخام إلى تصدير المنسوج الفاخر وإنشاء مناطق صناعية حرفية متخصصة فى صناعات الكتان هو طوق النجاة الحقيقى الذى سيضمن بقاء هذا المحصول الهام متلألئا ويحمى عاصمة الكتان من نيران الحرائق والإهمال.



