خُضتُ طوال الأشهر المنصرمة غمار حرب ضروس، تعرضت فيها لسيل من البلاء الذي لحق بساحتي، وحرمني الراحة والمتعة أو حتى الخلود إلى النوم وواصلت الليل بالنهار وأنا أرفع أكف الضراعة إلى الله عزّ وجل بعد أن انقطعت عن الدنيا، وتجرعت آلاماً تنوء بحملها الجبال الراسيات، فعافت نفسي كل شيء، فلا أسفار ولا تواصل مع من أُحِب، ولا اتصال بعالم البشر، ولولا ظلال إيمانٍ أظلتني بعد أن أقضت الآلام مضجعي، ولولا بعض الأخيار من البشر من أصحاب الرسالات والمبادئ الذين قيضهم الله تعالى ليأخذوا بيدي، فأفاضوا عليّ من علمهم وكريم أخلاقهم، فكانوا ومضات في سماء الكون، أضاءت دياجير ظلمي، وأشرقت عليّ إشراق النور والهداية، وأحسست ببرد أناملهم يهدهد مني الجنان، ـ ولولا هذا- لكان الأمر جحيما لا يطاق.
وكان أنيسي في وحدتي قلمي وقرطاسي ومناجاتي لخالقي، وأهازيجٌ لا تنقطع، وتعلمت مما مضى كيف يكون الأدب مع الخالق العظيم وحكمته في الكون وآياته وأقوال رسوله صلى الله عليه وسلم الذي ما ينطق عن الهوى، وتعلمت الأدب مع خلق الله الفضلاء الذين شملوني بواسع فضلهم وكريم أخلاقهم
فالحمد لله له المنة ومنه الفضل أن أعادني إلى الحياة تارة أخرى، ولا يذوق العبد حلاوة النعم حتى تبعد عنه،
فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يشعر به إلا المرضى، وهو ما دفعني إلى الحديث عن موضوع اليوم وهو فضل الأدب
فالحمد لله رب الأرباب ومسبب الأسباب ومنزل الكتاب الذي حفظ الأرض بالجبال من الاضطراب، وقهر الجبارين وأذل الصعاب، وسمع خفي النطق ومهموس الخطاب، وأبصر فلم يستر نظره حجاب، أحمده على رفع الشك والارتياب، وأشكره على ستر الخطايا والعاب، وأشكره على نِعم لا تُعد ولا تحصى.
فالأدب هو اجتماع خصال الخير في العبد ومنه المأدبة، وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس، وعلم الأدب هو علم إصلاح اللسان والخطاب وإصابة مواقعه وتحسين ألفاظه وصيانته عن الخطأ والخلل، وهو شعبة من الأدب العام.
وإذ زارني أستاذي وشيخي العالم الأزهري النابه،
حدثني أن الأدب ثلاثة أنواع:
١- أدب مع الله
٢- أدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم وشرعه
٣- أدب مع خلقه
وأردف أن الأدب مع الله ثلاثة أنواع
١- صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة
٢- صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره
٣- صيانة إرادته أن تتعلق بما يمقتك عليه
واستطرد يذكر أن أبا علي الدقاق قال:
العبد يصل بطاعة الله إلى الجنة، ويصل بأدبه في طاعته إلى الله.
وقال: رأيت من أراد أن يمد يده في الصلاة إلى أنفه فقبض على يده،
وقال ابن عطاء: الأدب الوقوف مع المستحسنات،
فقيل له: وما معناه؟
فقال: أن تعامله سبحانه بالأدب سرا وعلنا، ثم أنشد:
إذا نطقت جاءت بكل ملاحة
وإن سكتت جاءت بكل مليح
وقال أبو علي:
من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل.
وقال يحيى بن معاذ:
إذا ترك العارف أدبه مع معروفه، فقد هلك مع الهالكين.
وقال أبو علي:
ترك الأدب يوجب الطرد، فمن أساء الأدب على البساط، رد إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رُد إلى سياسة الدواب، فذكرت له أن يحيى بن معاذ قال:
من تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله، وأن ابن مبارك قال:
نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
وقد سئل الحسن البصري رحمه الله عن أنفع الأدب؟ فقال:
التفقه في الدين والزهد في الدنيا والمعرفة بما لله عليك،
وان سهلاً قال:
القوم استعانوا بالله على مراد الله، وصبروا لله على أداب الله
وأن ابن المبارك قال:
طلبنا الأدب حين فاتنا المؤدبون، وقال:
الأدب للعارف كالتوبة للمستأنف،
وأن أبا حفص لما قال له الجنيد لقد أدبت أصحابك أدب السلاطين، فقال:
حسن الأدب في الظاهر، وعنوان حسن الأدب في الباطن،
فالأدب مع الله حسن الصحبة معه، وبإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء، كحال مجالس الملوك ومصاحبهم.
وأن ابن نصر السراج قال:
الناس في الأدب على ثلاث طبقات:
١- أما أهل الدنيا فأكبر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار الملوك وأشعار العرب
٢- وأما أهل الدين:
فأكبر آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر وحسن الأدب في مواقف الطلب ومقامات القرب، فتدخل أستاذي وذكر أن سهلا قال:
من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بالاخلاص، وأن عبد الله بن المبارك قال:
قد أكثر الناس القول في الأدب ونحن نقول أنه، معرفة النفس ورعوناتها، وتجنب تلك الرعونات، وأن الشلبي قال:
الانبساط بالقول مع الحق ترد الأدب.
واستطرد يذكر أن بعضهم قال، الحق سبحانه يقول:
من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب، ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي، ألزمته العطب، فاختر الأدب أو العطب.
"قال الشيخ حامد: وهل تنكشف حقيقة الذات العلية؟
سبحان ربنا وتعالى عما يقول الظالمون علواً كثيراً".
وهم يقصدون أن من انكشف له الحقيقة تكلم وقال ما في الجُبّة إلا الله، فتعرض للهلاك والعطب كالحلاج،
ويشهد لهذا أنه سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته، ساخ الجبل وتدكدك ولم يثبت على عظمة الذات، وأن أبا عثمان قال:
إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب.
وأن النوري قال: من لم يتأدب للوقت فوقته مقت.
وأن ذا النون قال: إذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء، وتأمل أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله، وخطابهم وسؤالهم كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به؟
قال المسيح عليه السلام:
(إن كنت قلته فقد علمته) المائدة ١١٦".
ولم يقل لم أقله، ثم أحال الأمر على علمه بالحال وسره فقال
(تعلم ما في نفسي) ثم برأ نفسه عن علمه بغيب ربه وما يختص به سبحانه فقال (ولا أعلم ما في نفسك)
ثم أثنى على ربه ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كله فقال:
(إنك أنت علام الغيوب)
ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره ربه به وهو التوحيد الخالص، فقال:
(ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم)
ثم قال:
(وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)
ثم وصفه بأن شهادته سبحانه فوق كل شهادة وأعم فقال:
(وأنت على كل شيء شهيد)
ثم قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك)
وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام.
إذ شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم.
(وقال إنك أنت علام الغيوب)
وهذا إقرار واعتراف وثناء عليه سبحانه بحكمته وعدله وكمال علمه بحالهم واستحقاقهم للعذاب.
ثم قال: (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)
ولم يقل الغفور الرحيم
فإنه قاله في وقت غضب الرب عليهم، والأمر بهم إلى النار، فهو مقام براءة منه وليس مقام استعطاف ولا شفاعة.
والمعنى: إن غفرت لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم، ليست عن عجز عن الانتقام منهم، ولا عن خفاء عليك بمقدار جرائمهم، وهذا لأن العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه، ولجهله بمقدار إساءته إليه.
والكمال: هو مغفرة القادر العالم وهو العزيز الحكيم، وكان ذكر هاتين الصفتين في هذا المقام عين الأدب في الخطاب.
وفي بعض الآثار، حملة العرش أربعة
إثنان يقولان:
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك
واثنان يقولان:
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ولهذا يقترن كل من هاتين الصفتين بالأخرى
كقوله: (والله عليم حليم) النساء ١٢".
وقوله: (فإن الله كان عفوا قديراً) النساء ١٤٩".
وكذلك قول إبراهيم الخليل عليه السلام:
(الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين) الشعراء ٧٨: ٨٠
ولم يقل وإذا أمرضني حفظا للأدب مع الله.
وكذلك قول الخضر عليه السلام في السفينة
(فأردت أن أعيبها) الكهف ٧٩".
ولم يقل فأراد ربك أن أعيبها
وقال في الغلامين:
(فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) الكهف ٨٢".
وكذلك قول مؤمني الجن:
(وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض) الجن ١٠".
ولم يقولوا أراده ربهم
ثم قالوا: (أم أراد بهم ربهم رشدا)
وألطف من هذا قول موسى عليه السلام:
(رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) القصص ٢٤".
ولم يقل: أطعمني
وقول آدم عليه السلام:
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الأعراف ٢٣".
ولم يقل رب قدرت عليّ وقضيت عليّ
وقول أيوب عليه السلام
(أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) الأنبياء ٨٣".
ولم يقل فعافني واشفني
وقول يوسف لأبيه وإخوته:
(هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) يوسف ١٠٠".
ولم يقل أخرجني من الجُب، حفظا للأدب مع اخوته، ألا يخجلهم بما جرى في الجُب
وقال:
(وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ)
ولم يقل رفع عنكم جهد الجوع والحاجة أدباً معهم، وأضاف ما جرى إلى السبب ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه فقال:
(مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)
فأعطى الفتوة والكرم حقه ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا للرسل والأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم.
وحقيقة الأدب استعمال الخُلق الجميل.
فذكرت لأستاذي أن الأدب هو الدين كله، فإن ستر العورة من الأدب والوضوء وغسل الجنابة من الأدب والتطهر من الخبث من الأدب، حتى يقف المرء بين يدي الله طاهراً، ولهذا كانوا يستحبون أن يتجمل الرجل في صلاته للوقف بين يدي ربه.
فقال أستاذي الخلاصة أن الأدب مع الله تبارك وتعالى، هو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهراً وباطناً، وأنه لا يستقيم لأحد قط، الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء
معرفته بأسمائه وصفاته ومعرفته بدينه وشرعه وما يحب وما يكره ونفس مستعدة قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علما وعملا وحالا.
فسألته وماذا عن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلّم؟
قال:
رأس الأدب معه كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه معقولاً، أو يحمله شبهة أو شك، أو يقدم عليه آراء الرجال، وزبالات أذهانهم فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما
توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة:
أعرض من أمره وخبره وفوضه إليهم، وإلا حرفه عن مواضعه، وسمى تحريفه تأويلا وحملا، فقال:
نؤوله ونحمله، فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق
- ما خلا الشرك بالله - خير له من أن يلقاه بهذه الحال
واستطرد يذكر أن من الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف، حتى يأمر هو وينهى ويأذن، كما قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) الحجرات ١".
وهذا باق إلى يوم القيامة لم ينسخ، فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم
وأضاف أن من الأدب معه صلى الله عليه وسلم أن لا ترفع الأصوات فوق صوته، فإنه سبب لحبوط الأعمال
فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به؟!
أترى ذلك موجبا لقبول الأعمال، ومجرد رفع الصوت فوق الصوت موجبا لحبوطها؟!
وأن من الأدب معه ألا يجعل دعاءه كدعاء غيره، وذلك في قول الله تعالى:
(لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) النور ٦٣".
فلما سألته عن تفسير الآية قال:
للمفسرين قولان:
١- أحدهما أنكم لا تدعونه بإسمه كما يدعو بعضكم بعضاً
بل قولوا يا رسول الله، يا نبي الله، فعلى هذا:
المصدر مضاف إلى المفعول، أي دعاءكم الرسول
٢- الثاني أن المعنى، لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضاً، إن شاء أجاب وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها البتة، وهنا المصدر مضاف إلى الفاعل، أي دعاءه لكم.
وأن من الأدب معه صلى الله عليه وسلم، أنه إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط لم يذهب أحد منهم مذهباً في حاجته حتى يستأذنه، كما قال تعالى:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ) النور ٦٢".
فذكرت لأستاذي إن كان هذا مذهباً مقيدا بحاجة عارضة ولم يوسع لهم فيه إلا بإذنه، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين، أصوله وفروعه، دقيقه وجليله، هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه ؟!
(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل ٤٣".
فمن الأدب معه ألا يُستشكل قوله، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول،ولا يوقف قبول ما جاء به صلى الله عليه وسلم على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه صلى الله عليه وسلم، وهو عين الجرأة.
فلما سألته عن الأدب مع الخلق؟ قال:
هو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكل مرتبة أدب، والمراتب فيها أدب خاص، فمع الوالدين أدب خاص، وللأب منهما أدب هو أخص به، ومع العالم أدب آخر، ومع الكبير أدب يليق به، وله مع الأقران أدب يليق بهم ومع الأجانب أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه، ومع الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته، ولكل حال أدب، فللأكل آداب وللشرب آداب، وللركوب والدخول والخروج والسفر والإقامة والنوم آداب، وللكلام آداب، وللسكوت والاستماع آداب، وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب،
فانظر للأدب مع الوالدين كيف نجى صاحبه من حبس الغار، حين أطبقت عليهم الصخرة " أخرجه البخاري حديث ٢٢٧٢
" وكذا الإخلال به مع الأم تأويلا وإقبالا على الصلاة، كيف امتحن صاحبه بهدم صومعته وضرب الناس له ورميه بالفاحشة" أخرجه البخاري حديث ٣٤٣٦"
تأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر، كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان، وانظر أدب الصديق مع النبي صلى الله عليه وسلم، في الصلاة أن يتقدم بين يديه فقال:
ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه البخاري ٦٨٤"
كيف أورثه مقامه والإمامة بالأمة بعده؟
فكان ذلك التأخر إلى خلفه وقد أومأ إليه أن اثبت مكانك جمزا، وسعيا إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام، تنقطع فيها أعناق المطى .
"يراجع كتاب مدارج السالكين للعلامة ابن القيم الجزء الثاني"
فاللهم ردنا إلى دينك وكتابك وسنة نبيك والأدب مع الله سبحانه وتعالى، والأدب مع سيد الخلق وحبيب الحق وإمام المتقين وسيد الشفعاء والأدب مع الخلق حتى يعود لأمتنا وجهها الحضاري والأخلاقي وحتى يرد إليها مجدها السالف وعزها الغابر وانت خير من سُئل وأجود من أعطى وأكرم من أعفى وأعظم من غفر وأعدل من حكم وأصدق من حدث وأوفى من وعد وأبصر من راقب وأسرع من حاسب وأرحم من عاقب وأحسن من خلق وأحكم من شرع وأحق من عبد وأولى من دعي وأبر من أجاب
ونسألك أن تحفظ أمتنا من كل مكروه وسوء وأن تأخذ بناصيتها إلى الخير وبأيديها إلى سواء السبيل
ونسألك أن تصلي على حبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى من والاه إلى يوم الدين
ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء
المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️
