زارني صديق البارحة، ليعودني في فراش المرض، وكان قد غاب عني سنين عددا، وقد بدت عليه علامات الضيق وبدت واضحة عليه معاول الدهر، التي نالت منه ما نالت، وما أن سألته عن حاله وظروفه حتى واجهني بسيل عارم من تساؤلات يتبع أولها آخرها، والآخرة أشد من الأولى وأكثر إيلاما وضراوة،
قال:
هل تحالفت ضدك ظروف الحياة يوماً ؟
هل تواطأت ضدك كل عاديات الدهر ؟
هل فُجعت بفراق حبيب كان اقرب إليك من نفسك ؟
هل حاصرتك يوماً الكوارث والملمّات ؟
هل تجمعت في مواجهتك كل قوى الشر تحاول إظلام مسار حياتك ؟
هل ضربتك قوارع الفقر ؟
هل واجهك أقرب الناس إليك بطوفان من الجحود والنكران ؟
هل خُدَعت من أقرب الأصدقاء ؟
هل تمزقت مشاعرك وتبعثرت أوراق حياتك ؟
هل حاصرك اليأس واستولى عليك القنوط ؟
هل عاشرت الأنذال الذين لا يقدرون جميلا ولا يحفظون عهداً ؟
هل صفعتك يدُ ظالمٍ لتظل مُطأطأ الرأس أبد الدهر ؟
هل افترستك الأمراض العاتية، فأردتك طريح الفراش ؟
والواقع أن الله ألهمني أن أسكب في نفسه المتعبة آمالا عظاما وتعلقاً بالله الجبار، وأنحي عنه المشاعر السلبية فقلت:
يعلم الله الجبار أن كسورا وتشوهات تعتري حال الناس، وتلحق بهم الأذى في أبدانهم وقلوبهم وأرواحهم وحياتهم، وأنها قد تترك ندوبا وأثارا على الأرواح والنفوس، وأنها ستحفر ثقوبا عميقة في القلوب، لكنه الجبار وحده الذي يجبر الكسر ويجير في المصائب، ويُخلف في الملمات والقوراع، وهو الذي يغيث المرء إذا التهبت نفسه أو احترقت أحلامه أو تصدع بنيان نفسه أو تهرأ جسده أو فارق حبيباً، أو أحكمت الضوائق خناقها عليه، أو أطلت الأزمات والشرور برأسها على صفحة حياته، فسودت سطورها وعكرت النبع الصافي فيها.
تتزاحم الآلام في قلب المرء، حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، ويظن أنها لا كاشفة لها البتة، فإذا بالجبار يجبر القلوب الكسيرة، ويزيل الآلام والأوجاع، ويبدلها بأقداره سعادة وحبورا ورضا وسرورا، فهو يجبر القلوب والنفوس، ويداوي جراح الأرواح، ويواسي المحرومين والمكلومين، ويشفي المرضى وُيغني الفقير، ويُسعد البائس وينزل الصبر الجميل على قلب من فارق صفيُه، ويصنع من جميل أقداره وعظيم معجزاته وغريب آياته ما يعيد البسمة إلى الشفاه العابسة والقلوب المحزونة، ويبدد الظلمات بأنوار تنبلج على الحياة لتطارد دياجير ظلمها، ويهدهدها لتتعافى من معاول الهدم، التى أحالت الحياة جحيما لا يُطاق، فيبشره بجبر كسره والتئام جرحه، ويسخر له الكون كله ليخلف عليه ويحول حياته إلى الأجمل، ويسخر له من البشر ومن قضائه ما يكون بلسمًا وشفاءً ونوراً وضياء وعوناً وسنداً، ويفتح له نافذة الأمل التي يتسلل منها هواء الحياة النقي، بعد أن خنقها دخان الأحقاد السوداء.
ونظرت إلى صديقي وقلت له:
ما عليك إلا أن تطرق باب الجبار، إذا طرق الناس أبواب الملوك، وأن تقف بساحته إذا وقف الناس بساحة البشر، واياك أن تنصرف عن بابه لتذهب لمن لا يملك لك ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
فرد صديقي وقد علت وجهه أمارات الضيق قائلا:
إن بعض الأشرار أرادوا تقويض بنيان حياته حقدا وغلا وحسدا، فقلت له:
إن الله تعالى الجبار هو وحده الذي يقيم بنيانك، ويرفع رايتك إلى سماء لا يطار لها، وسيلقي هؤلاء الأشرار في مزابل التاريخ، فقال:
بعضهم دخلوا إلى خزائن أسراري ليسرقوا أجمل الاحلام، بل وتسللوا إلى ذاكرتي ليمسحوا أروع الذكريات فماذا أفعل ؟!
فقلت له: كلما أطفأ هؤلاء لك حلما خلق الله لك حلما أجمل وأكثر روعة، فضع في قلبك ذكر الله وتذكر قدرته، فكلما بهتت في قلبك ذكرى أبدلك الله خيراً منها وكلما أغلقوا بابا، فتح الله لك أبواب الأمل على مصاريعها، وكلما ادلهمت الخطوب وأحاطت بك الظلمات، أنار الله سبيلك بأنوار المحبة والمرحمة وأنقذك من مهاوى الفناء والهلاك، فقال:
فماذا أفعل ؟
قلت: فقط التحق بركب الأواهين، وقل يا الله بكل جوارحك، فسيكفيك ويرضيك ويغنيك ويفتح لك آفاق الحياة ويحيطك بشآبيب رحمته، ويخلف عليك في كل معضلة، وسيلقي من حاولوا تخريب حياتك في هاوية سحيقة ما لها من قرار،
كن ساجداً بقلبك وقل بكل نبصاتك، سبحان ربي الأعلى، واهمس بكل خلجاتك: يا جابر المنكسرين أجبر كسري،
ثم تأمل المعجزة وهي تشكل روحك من جديد،
إذا حزبك أمرٌ فارفع يديك له تعالى بالدعاء، فالدعاء لون من ألوان الذكر، وهو طب للنفوس ودواؤها وعافية للأبدان وشفاؤها، به تطمأن القلوب وتنفرج الكروب وتُغسل المعاصي والذنوب، وسترى بعدها من عجائب قدرة الجبار ما يُذهلك ، وما يبعث في نفسك الثقة بالله الجبار،
فقال:
دعوت فلم يِستجب لي فماذا أفعل؟!
فقلت: استعن بالله ولا تعجز ولا تتعجل الإجابة، فقد ورد إنه إذا دعى العبد، قال جبريل عليه السلام:
أي رب اقضِ حاجته، فيقول الله تعالى:
دعه يا جبريل فإني أحب أن أسمع صوته، فإذا دعى يقول الله تعالى:
لبيك عبدي، وعزتي لا تسألني شيئا الا أعطيتك ولا تدعوني باسمي إلا استجبت، فإما أن أعجّل لك، واما أن أدخر لك أفضل منه.
وذكرت له ما كان من خبر المرأة المؤمنة من بني إسرائيل التي رجت نبي الله الكليم موسى عليه السلام، أن يسأل الله لها الولد الذي يؤنس وحدتها، فلما جاء ميقات ربه، قال الله تعالى:
أعلم يا موسى حاجتها، لكني كنت قد كتبت في اللوح المحفوظ أنها ستحيا عاقراً، وتموت عاقرا وتُبعث يوم القيامة وحيدة فريدة، فاستحى موسى عليه السلام أن يُخبرها، إلا أنه فوجئ بذات المرأة بعد ردح من الزمن تحمل طفلاً رضيعاً بين يديها، فلما سألها عنه قالت:
إنه ثمرة شفاعتك عند ربك،
فسكت موسى وأخذته الدهشة حتى جاء الميقات فسأل الله عز وجل؟!، فأنبأه الجليل أنه كان قد كتب في اللوح المحفوظ ما كتب، الا أنها رفعت يديها إليه ودعت وبكت وألحت في الدعاء،
وقال تعالى: وأنا يا موسي حيي كريم أستحيي أن يرفع العبد إليَّ يديه فأردهما صفراً خائبتين، فغيرت القدر لأجلها، ومحوت ما سُطّر بين دفتي اللوح المحفوظ ومنحتها الولد.
فسبحان الجبار الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، جبر خاطرها وأسعد روحها بسرور يدوم الدهر كله.
فسبحان الذي لا يضيع من دعاه، ولا يطرد عن أبوابه من أناخ مطاياه عنده، فهو غياث المستغيثين وناصر الضعفاء، الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، فتأتي بعدها الانسام كرويحة الفجر عذبة باردة، فالوجود مقفل حتى تفتحه نسائم رحمة الجبار، حين يدير في أقفال الكون مفاتيح المحبة والمرحمة.
فسألني صديقي: وهل أطمع في فيض عطائه لأواجه طوفان الويلات؟!
قلت له: إن بعض المنع في حقيقته هو عين المنح والعطاء، وذكرت أنه في العام الميلادي ٢٠٠٠ كنا نقوم بالإشراف على انتخابات المجلس النيابي، وكانت إقامتنا في مدينة جمصة، وما أن انتهت الجولة الأولى حتى تقررت الإعادة في الجولة الثانية، فحزمت حقائبي وتوجهت إلى سيارتي التي ستقلني إلى محل إقامتى لارتباطي بموعد بمدينة الاسكندرية في اليوم التالي برفقة صديق لي، وما أن توجهت إلى السيارة حتى انشقت الأرض عن صديق لي، فلما علم بانتوائي السفر، أقسم عليّ بأغلظ الأيمان أن أبقى بجمصة حتى الجولة الثانية - وكانت بعد أيام -
فلما لم أستجب أقسم يميناً مغلظا بالطلاق، ولما لم أجد مخرجا للفكاك من أسر هذا القسم، بقيت ليلتي كالسجين على مضض، وأنا استغرب الأقدار التي حرمتني من زيارة مدينتي المعشوقة، فهي لي قلب للقلب، وروح للروح، وهي الأنس للقلب المستوحش، وهي البلد التي استروح بها نسائم عذبة من عذاباتي، وكانت ليلة ليلاء لم أذق فيها طعم النوم، لحرماني من يوم جميل أقضيه بين أحضان المدينة الساحرة،
وما أن أصبح الصباح حتى فوجئت بمن يهاتفني بأن رفيق السفر، قد صدمته سيارة ليستقر في أحضان شجرة عملاقة بمدينة مجاورة لمدينة دمنهور، ولما هرعت إليه وزرته في مشفاه الذي نقل إليه، وقد أجريت له العديد من العمليات الجراحية، هالني ما رأيت بعد معاينة مكان الحادث، إذ تبين أن مكان المرافق على يمين السائق قد تحطم تماماً، وصار فتاتا، وتحولت السيارة إلى كتلة من الحديد الذي تداخل بعضه ببعضه، وهنا أدركت أنني لو كنت برفقته كما كنت أخطط وأتمنى، لأصبحت أثرا بعد عين، ولأضحيت نسيا منسيا، وهنا تيقنت أن الله تعالى قد ساق لي بلطفه صديقي الذي تشبث بوجودي بهذا الشكل العجيب، وتحول ما كان قد اعتراني من غضب وضيق إلى تسبيحات وأهازيج وشكرٌ لله الذي تدخل بعنايته لإنقاذي، وأدركت أن الكون كله يحيا تحت مظلة الجبار الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شئ، وأن الله يسخر لنا من جميل أقداره ما يحقق لنا السعادة ويقصي عنا الشر الوبيل، وأن اختياره هو الأفضل لأنه أعلم بالسر وأخفى،
وهنا طابت نفس صديقي، ورفعنا أيدينا إلى السماء نناجي ربنا الجبار وانصرف راضياً.
فاللهم يا ذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد، نسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود، الركع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود، وانك تفعل ما تريد.
اللهم أقل عثراتنا وفرج كرباتنا، واقض حوائجنا.
اللهم لا تيئسنا من روحك ولا تقنطنا من رحمتك، ولا تقطعنا عن بابك، ولا تحرمنا من فضلك ومغفرتك ونصرك يا خير الغافرين، ويا خير الراحمين ويا خير الناصرين، ويا أمان الخائفين، ويا جار المستجيرين، ويا رجاء السائلين، ويا عون يا المستغيثين، ويا قاصم الجبارين، ويا مذل المستكبرين، ويا أحكم الحاكمين
نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار ومن خزي النار ومن عذاب النار ومن كل قولٍ أو فعلٍ يقربنا إلى النار،
ونسألك أن تصل على حبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى من والاه إلى يوم الدين.
ما هبت النسائم و ما ناحت على الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء.
المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️
