ليست كل الدول التي تظهر على خريطة العالم تُولد بالطريقة ذاتها، فهناك أوطان تنبت من جذور التاريخ، وتصنعها حضارات متراكمة وذاكرة شعوب ضاربة في القدم، وهناك كيانات تُصنع في غرف السياسة وتُزرع بالقوة في قلب الجغرافيا. ومن هنا يمكن وصف إسرائيل بأنها دولة مصنوعة كأطفال الأنابيب؛ نشأت بترتيبات دولية ورعاية قوى كبرى، لا نتيجة تطور طبيعي لشعب استقر على أرضه عبر التاريخ.
فلسطين لم تكن أرضًا بلا شعب كما حاولت الدعاية الصهيونية أن تروج، بل كانت وطنًا حيًا بأهله ومدنه وقراه وثقافته وهويته العربية المتجذرة. لكن المشروع الصهيوني جاء مدعومًا بالمال والسلاح والنفوذ السياسي، حتى تم اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من أراضيهم في واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
وعلى مدار عقود، حاولت إسرائيل أن تصنع لنفسها شرعية بالقوة العسكرية، وبالدعم الغربي غير المحدود، إلا أن الحقيقة التاريخية تظل ثابتة: الأوطان الحقيقية لا تُبنى على أنقاض الشعوب، ولا تستمر بالحصار والقتل والتوسع والتهجير. فالقوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع محو ذاكرة شعب أو إنهاء قضية عادلة.
ورغم كل ما تعرض له الفلسطينيون من حروب وحصار واحتلال، بقيت القضية الفلسطينية حية في وجدان الشعوب العربية وأحرار العالم، لأن الحق لا يسقط بالتقادم، ولأن الأرض تعرف أصحابها مهما طال الزمن.
إن تشبيه إسرائيل بدولة “أطفال الأنابيب” ليس مجرد استعارة لغوية، بل توصيف لفكرة كيان تم تكوينه صناعيًا عبر تدخلات سياسية دولية معقدة، بعيدًا عن السياق الطبيعي لنشوء الأمم. ومع ذلك، يبقى التاريخ شاهدًا على أن الشعوب الحية قادرة دائمًا على استعادة صوتها وحقوقها مهما اشتدت العواصف.
