📁 آخر الأخبار

🤎🤲🎯سهام الليل🎯🤲🤎بقلم المستشار عادل رفاعي

 



الحمد لله رب الأرباب، مسبب الأسباب، و منزل الكتاب الذي حفظ الأرض بالجبال من الإضطراب و قهر الجبارين و أذل الصعاب و سمع خفي النطق و مهموس الخطاب و حرم علي نفسه الظلم و حرمه علي الناس و لعن الظالمين في كتابه العزيز و توعدهم ببطشه و عظيم العقاب و أشهد أن محمداً صلي الله عليه وسلم عبده ورسوله المبعوث يحفظ الحقوق و احترام الأعراض و الأموال و صون النفوس و الأبدان.

بالأمس زارني صديقي الأديب ليعودني في فراش المرض الذي فتك بيّ طوال الفترة المنصرمة و كعادته تجاذب معي أطراف الحديث و كان موضوعنا عن الظلم و لما سألته عن سبب اختياره قال : 

الظلم في الدنيا بلاءٌ كبير و شرٌ مستطير و في الآخرة خزي و ندامة و ظلمات يوم القيامة و أن المظالم قد كثرت حتي بين ذوي الأرحام فأنبأته أن الظلم مرتعه وخيم و عاقبته سيئة و جزاء صاحبه النار و خراب الدار و ما حرم الله شيئاً كالظلم و ما توعد أحداً بمثل ما توعد به الظالمين فقال في محكم التنزيل :

(و الظالمين أعد لهم عذابا أليما) سورة الانسان ٣١" 

و في الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عن الله تبارك وتعالى أنه قال :

(يا عبادي إني حرمت الظلم علي نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا.... إلخ) رواه مسلم ٢٥٧٧".

هذا و قد روي البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :

(كل المسلم علي المسلم حرام دمه و ماله و عرضه)

و سألته و هل أُجِيز الدعاء علي الظالم ؟

قال :

 بلي و قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعي علي أناسٍ بأسمائهم و علي المجاهرين بالظلم دعي عليهم جهرا و قد ثبت أنه صلي الله عليه وسلم قال:

(اللهم أشدد وطأتك علي مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)

"أخرجه البخاري عن أبي هريرة"

و أردف أنه مما وعت ذاكرة تراثنا قصة امرأة عجوز كان لها كوخٌ بجوار قصر أحد الملوك فأمر بهدمه فلما جاءت العجوز فرأت كوخها مهدوماً فتسآلت من هدمه ؟ فقيل لها إنه الملك رآه فهدمه 

فرفعت كفيها إلي السماء و قالت إلهي إذا لم أكن حاضرة فأين كنت أنت؟! 

ثم جلست مغاضبة حزينة كسيرة النفس حاسرة البال فخرج الملك في موكبه فنظر إليها سائلا إياها : ماذا تنتظرين ؟

 قالت : و ملئ نفسها ثقة في عدالة السماء : أنتظر خراب قصرك.

فهزأ بها و ودعها بكم هائل من قهقهات ساخرة فما جن الليل حتي خُسِف به و بقصره الذي أصبح أثراً بعد عين و نُقِش علي بعض حيطان القصر هذه الأبيات بخط القدرة.


أتهزأ بالدعاء و تزدريه 

و ما يدريك ما صنع الدعاء 

سهام الليل لا تخطئ ولكن 

لها أمد و للأمد انقضاء 

و قد شاء الله بما تراه 

فما للملك عندكمو بقاء 


(يراجع كتاب الرياض الندية في الخطب المنبرية لمحمد حلمي محمد خضر ص ٣٧٨)


و استطرد يذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

(أن الله ليملي للظالم حتي إذا أخذه لم يفلته)

رواه الشيخان و الترمذي"

فذكرته أن دعوة المظلوم تقصم الظهور و تدمر الدور و أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حذر معاذ بن جبل حين بعثه إلي اليمن قائلاً 

(اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب)

رواه الشيخان".

و أنه صلي الله عليه وسلم القائل : 

دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام و يفتح لها أبواب السماء و يقول الرب و عزتي لأنصرنك و لو بعد حين.

" رواه احمد وابن ماجة و ابن حزيمة و الترمذي حسنه

فذكرته أن الله وعد المظلوم النصر و إن طال مداه و جعل عاقبة الظلم علي أهله دماراً و مأثما فكم قصم أعماراً و ظهورا و شتت به أنصارا و دمر به ديارا و أهلك به أمماً 

قال تعالي : 

(و كم قصمنا من قرية كانت ظالمة) سورة الأنبياء ١٢ 

و قال تعالي : 

(فتلك بيوتهم خاوية لما ظلموا) سورة النمل ٥٢ 

و هو القائل : 

(و ظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث و مزقناهم كل ممزق) سورة سبأ ١٩".

فعلق صديقي الأديب قائلا : 

بئس الزاد للمعاد العدوان علي العباد.

فقلوب الظالمين خربة طُليت بصدأ العداوة و دخان الشحناء و نتن البغضاء و امتلأت سجلاتها بثارات قبلية و أطماع شخصية و رايات عنصرية فتأصلت فيها العداوات المسعورة و السخائم الملتهبة فخسروا الدنيا و هم في الآخرة أذلاء يبكون علي الذنوب طويلا و يحملون علي ظهورهم وزراً ثقيلا 

فويل للظالم من قبيح منقلبه 

و ذَكر أن يحيي بن خالد البرمكي كبير وزراء هارون الرشيد لما أُلقي القبض عليه و سائر أولاده و أُلقي بهم في غياهب السجون صرخ ابنه الوزير جعفر مندهشاً من تقلب الدهر و الأيام فرد عليه يحيي قائلا: 

هي دعوات المظلومين سرت بليلٍ غفلنا عنها و لم يغفل عنها أحكم العادلين فكان سوء الخاتمة 

و أردف أن أهل الكوفة في زمان عمر بن الخطاب قد شكوا أميرهم سعد بن أبي وقاص فأرسل عمر يسأل الناس فإذا هم يثنون معروفاً علي سعد حتي قابلوا رجلاً يقال له أسامه بن قتادة يُكني أبا سعدة فقال في سعد زوراً و بهتاناً أنه لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية فعزله عمر بن الخطاب فرفع سعد يديه إلي السماء و دعا:

(اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياءً و سمعة فأطل عمره و أطل فقره و عرّضه للفتن، قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة : فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه علي عينيه من الكبر وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن و يقول شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد)

"صحيح أخرجه البخاري عن جابر بن سمرة ٧٥٥".

و ذكرته بما رواه عروة بن الزبير أن السعيد بن زيد خاصمته أروي بنت أوس إلي مروان بن الحكم و ادعت زورا أنه أخذ من أرضها شيئاً فلما سأله مروان قال:

 إن كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو يقول :

( من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلي سبع أرضين) 

" متفق عليه أخرجه البخاري ٣١٩٨ و مسلم ١٦١٠ عن سعيد بن زيد بن عمر بن فضيل" 


فقال مروان : 

لا أسألك بينة بعد هذا.

فقال سعيد :

اللهم إن كانت كاذبة فأعمي بصرها و اقتلها في أرضها فما ماتت حتي ذهب بصرها و بينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت.

فسألته، هذا عن الدنيا فما بال الآخرة ؟!

فرد صديقي الأديب بقول الله تعالى:

( فاليوم لا تظلم نفس شيئا) سورة يس ٥٤".

و أردف أن ميزان العدل يوم القيامة مستقيم اللسان تبين فيه الذرة فيجزي العبد علي الكلمة قالها في الخير و النظرة نظرها في الشر

 فيا من زاده في الخير طفيف احذر ميزان عدلٍ لا يحيف

و قد روي ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(إن الظلم ظلمات يوم القيامة) رواه الشيخان ".

فاتقوا الله فإنكم لم تُخلقوا عبثاً ولن تُتركوا سدي، إن لكم معاداً يحكم الله فيه للفصل بين عباده و قد خاب و خسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء و حُرِم جنة عرضها السماوات والأرض 

فالله تعالي يقول :

(لا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) سورة إبراهيم ٤٢". 

فسألته عن صور المظالم فقال : 

الاعتداء على الأبدان و الأموال و أكل مال اليتيم و المماطلة بحقه مع القدرة علي الوفاء و ظُلم الرجل لأخيه و لزوجته في صداقها و نفقتها و كسوتها و في التعامل معها بالحسني 

فالرسول صلي الله عليه وسلم يقرر :

( لِتُؤدُن الحقوق إلي أهلها يوم القيامة حتي يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)

"رواه مسلم و الترمذي"

و هو القائل :

(من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه أوجب الله له النار)

قال معاذ :

و لو كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟

قال : 

و لو كان قضيبا من إراك.

فحقوق العباد من الذنوب التي لا تُغفر إلا بردها إلي ذويها أو تسامح صاحب الحق.

فسألته و ماذا عن الثكالي الذين أوجعتهم المظالم ؟

قال : عليهم بسهام الليل التي لا تخطئ فليجأروا إلي كاشف البلوي و سامع النجوي وليرفعوا أكف الضراعة و ليتجهوا بقلوبهم إلي عدالة قدسية الأحكام و الميزان، الحكم فيها هو الشاهد فإن المظلومين الصادقين إذا ما رفعوا أيديهم تستحي السماء أن تبقي مغلقة الأبواب دونهم بل إن الجنان تهتز طرباً بشذي دعائهم و بيوم لقائهم فسألته الدعاء فرفع يديه إلي السماء و قال : 

اللهم يا من ذلت له جميع الرقاب و جري بأمره السحاب احفظنا في الحال و المآب و ألهمنا التزود قبل حلول التراب و ارزقنا الاعتبار بسالف الأتراب و أرشدنا عند السؤال إلي صحيح الجواب و ارزقنا عمارة القلوب الخراب برحمتك يا كريم يا وهاب و ارحمنا إذا أُغلقت من القبور الأبواب فإذا الوحشة و الوحدة و هول الحساب 

اللهم سُق لنا من رحماتك ما يغنيا و جنبنا الظلم و المظالم ما أحييتنا و ادفع عنا كل ما يؤذينا و هب لنا من العمل الصالح ما ينجينا و افتح لنا أبواب السعادة و الطمأنينة و ارزقنا قلوباً خاوية من الهم و الحزن و ارزقنا طيب الحياة و خير العطاء و سعة الرزق و راحة البال و لباس العافية و حسن الخاتمة و صل علي النور الذي أطل علي الحياة رحيماً، لم تعرف الدنيا عظيماً مثله و علي آله الطيبين الطاهرين و علي زوجاته أمهات المؤمنين و علي أصحابه الغر الميامين 

ما هبت النسائم و ما ناحت علي الأيك الحمائم.


المستشار : عادل رفاعي 🌹🤎

تعليقات