وقعت بالفترة المنصرمة أحداثٌ جِسام على كل المستويات تُنبئ عن حالات من الضجيج والبعد عن الأمان وفقدان الراحة والإحساس بغربةٍ شديدة وكآبة تعلو الوجوه وإحساسٍ بالخوف، فلا يكاد الناس يستريحون من سماع خبر سيء إلا ويصيبهم الهلع فيفجعون بخبرٍ أشد منه سوء.
ولعل الأجواء المتوترة فى العالم كله والحروب التى أشعل نيرانها أباطرة الشر وسماسرة الخراب تشى بانزلاق البشرية بالسقوط في أتون حرب عالمية قد تفني الأخضر واليابس
من أجل ذلك أويت إلى قلمي وقرطاسي لأُحدثكم اليوم عن حالة الأنس بالله وهي روح القُرب، فاستحضار القلب هذا البر والإحسان واللطف يوجب قربه من الرب سبحانه وتعالى وقربه منه يوجب له الأُنْس والأنس ثمرة الطاعة المحبة، فكل مطيع مستأنس، وكل عاصٍ مستوحش.
كما قيل:
فإن كنت قد أوحشتك الذنوب
فدعها إذا شئت واستأنس
والقرب يوجب الأُنس والهيبة والمحبة
وقد قال الإمام الهروي رحمه الله أنه علي ثلاث درجات:
الدرجة الأولى- الأنس بالشواهد وهو استحلاء الذكر والتغذي بالسماع والوقوف على الإشارات
وإذ التقيت أستاذي الأزهري النابه أنبأني أن علماء التصوف الرائق يجرون لفظة الشواهد ومرادهم بها أمران
أحدهما
١ الحقيقة، وهو ما يقوم بقلب العبد حتي كأنه يشاهده ويبصره لغلبته عليه، فكل ما يستوي علي قلب صاحبه ذكره، فإنه شاهده، فمنهم من يكون شاهده العمل ومنهم من يكون شاهده الذكر ومنهم من يكون شاهده المحبة ومنهم من يكون شاهده الخوف والمُريد يأنس لشاهده ويستوحش لفقده
والثاني شاهد الحال وهو الأثر الذي يقوم به ويظهر عليه من عمله وسلوكه وحاله فإن شاهده لابد أن يظهر عليه، فلما سألته عن مراد الإمام من الشاهد الأول الذي يأنس به المُريد ؟
قال هو الحامل له على استحلاء الذكر طلبا لظفره لحصول المذكور، فهو يستأنس بالذكر طلبا لاستئناسه بالمذكور ويتغذي بالسماع كما يتغذي الجسم بالطعام والشراب، فإن كان مُحبا صادقاً طالبا لله، عاملاً على مرضاته، كان غذاؤه بالسماع القرآني الذى كان غذاء سادات العارفين من هذه الأمة وأبرها قلوبا وأصحها أحوالا وهم الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان منحرفا فاسد الحال ملبوسا عليه، مغرورا مخدوعا، كان غذائه بالسماع الشيطاني المشتمل على محاب النفوس ولذاتها وحظوظها وأصحابه أبعد الخلق من الله وأغلظهم عنه حجابا وإن كثرت إشاراتهم إليه وهذا السماع القرآني، سماع أهل المعرفة بالله والاستقامة علي صراطه المستقيم ويحصل للأذهان الصافية منه معانٍ وإشارات ومعارف وعلوم تتغذى بها القلوب المشرقة بنور الأُنس فيجد بها ولها لذة روحانية يصل نعيمها إلى القلوب والأرواح وربما فاض حتى وصل إلى الأجسام فيجد من اللذة ما لم يعهد مثله من اللذات الحِسّية، فلما سألته عن سر السماع ؟
فابتسم قائلاً: للتغذي بالسماع سرٌ لطيف فهو الذي أوقع كثيراً من السالكين فى إيثار سماع الأبيات لما رأى فيه من غذاء القلب وقوته ونعيمه، فلو جئته بألف آية وألف خبر لما أعطاك شطراً من إصغائه وكان ذلك عنده أعظم من الظواهر التي يعارض بها الفلاسفة وأرباب الكلام واستطرد مقرراً أن الله عز وجل جعل للقلوب نوعين من الغذاء:
نوعا من الطعام والشراب الحِسي وللقلب منه خلاصته وصفوه ولكل عضو منه بحسب استعداده وقبوله والثاني غذاء روحي معنوي، خارج عن الطعام والشراب من السرور والفرح والإبتهاج، واللذة والعلو والمعارف، وبهذا الغذاء كان سماويا علويا، وبالغذاء المشترك كان أرضيا سفليا، وقوامه بهذين الغذاءين وله ارتباطُ لكل واحدة من الحواس الخمس وغذاء يصل إليه منها، فله ارتباط بحاسة اللمس، ويصل إليه منها غذاء وكذلك حاسة الشم وكذلك حاسة الذوق وكذلك ارتباطه بحاستي السمع والبصر أشد من ارتباطه بغيرهما ووصول الغذاء منهما إليه أكمل وأقوى من سائر الحواس وانفعاله عنهما أشد من انفعاله عن غيرهما ولهذا تجد في القرآن الكريم اقترانه بهما أكثر من اقترانه بغيرهما، بل لا يكاد يُقرن إلا بهما أو بأحدهما.
قال الله تعالي:
(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل ٧٨ ".
وقال تعالي: (وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ) الأحقاف ٢٦".
وقال تعالى (وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ)
الأعراف ١٧٩".
وقال تعالي: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) البقرة ١٧١".
وقال تعالي: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج ٤٦".
فلما سألته ما مرد ذلك ؟
قال : لأن تأثره بما يراه ويسمعه أعظم من تأثره بما يلمسه ويذوقه ويشمه
ولأن هذه الثلاثة هي طرق العلم وهي السمع والبصر والعقل، وتعلق القلب بالسمع وارتباطه به أشد من تعلقه بالبصر وارتباطه به ولهذا يتأثر بما يسمعه من الملذوذات أعظم مما يتأثر بما يراه من المستحسنات، وكذلك فى المكروهات سماعاً ورؤية.
ولهذا كان الصحيح من القولين أن حاسة السمع أفضل من حاسة البصر لشدة تعلقها بالقلب وعِظم حاجته إليها وتوقف كماله عليها ووصول العلم إليه بها وتوقف الهدي علي سلامتها.
فذكرت له أن طائفة رجحت حاسة البصر لكمال مدركها وامتناع الكذب فيه وزوال الريب والشك به ولأنه عين اليقين وغاية مدرك حاسة السمع علم اليقين وعين اليقين أفضل وأكمل من علم اليقين ولأن متعلقها رؤية وجه الرب عز وجل فى دار النعيم، ولا شيء أعلي وأجل من هذا التعلق
فرد بأن ابن تيمية حكم بين الطائفتين حكماً حسنا فقال:
المدرك بحاسة السمع أعم وأشمل والمدرك بحاسة البصر أتم وأكمل فللسمع العموم والشمول والإحاطة بالموجود والمعدوم والحاضر والغائب والحِسي والمعنوي، وللبصر التمام والكمال وأردف أنه إذا عُرِف هذا فإن الحواس الخمس لها أشباح وأرواح وأرواحها حظ القلب ونصيبه منها
فمن الناس من ليس لقلبه منها نصيب إلا كنصيب الحيوانات البهيمية منها، فهو بمنزلتها وبينه وبينها أول درجة الإنسانية، ولهذا شبه الله سبحانه وتعالى أولئك بالأنعام بل هم أضل
فقال تعالي :
(أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا) الفرقان ٤٤ ".
وأنه من أجل ذلك نفى الله تعالى على الكفار السمع والبصر والعقول
إما لعدم انتفاعهم بها فنزلت منزلة المعدوم وإما لأن النفي توجه إلى أسماع قلوبهم وأبصارهم وإدراكها ولهذا يظهر لهم ذلك عند انكشاف حقائق الأمور كقول أصحاب السعير
(وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك ١٠".
ومنه في أحد التأويلين قوله تعالى
(وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ) الأعراف ١٩٨".
فإنهم كانوا ينظرون إلى صورة النبي صلى الله عليه وسلم بالحواس الظاهرة ولا يبصرون صورة نبوته ومعناها بالحاسة الباطنة، التي هي بصر القلب.
واستطرد مقرراً أن حصول السمع الحقيقي مبدأ لظهور آثار الحياة الطيبة التى هي أكمل أنواع الحياة في هذا العالم.
فإن بها يحصل غذاء القلب ويعتدل، فتتم قوته وحياته وسروره ونعيمه وبهجته وإذا فقد غذاء الصالح احتاج إلى أن يعتاض عنه بغذاء قبيح خبيث، وإذا فسد غذاؤه خبث ونقص من حياته وقوته وسروره ونعيمه بحسب ما فسد من غذائه كالبدن إذا فسد غذاؤه نقص.
ولما كان تعلق السمع الظاهر الحسي بالقلب أشد والمسافة بينهما أقرب من المسافة بين البصر وبينه، لذلك يؤدي آثار ما يتعلق بالسمع الظاهري إلى القلب أسرع مما يؤدي إليه آثار البصر الظاهر، ولهذا ربما غُشيّ على الإنسان إذا سمع كلاما يسره أو يسوءه أو صوتاً لذيذاً طيباً مطرباً مناسباً ولا يكاد يحصل له ذلك من رؤية الأشياء المستحسنة بالبصر الظاهر، وقد يكون هذا المسموع شديد التأثير في القلب ولا يشعر به صاحبه باشتغاله بغيره ولمباينة ظاهره لباطنه ذلك الوقت فإذا حصل له نوع تجرد ورياضة، ظهرت قوة ذلك التأثير والتأثر، فكلما تجردت الروح والقلب وانقطعتا عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع أوفى وتأثرهما به أقوى، فإن كان المسموع معنى شريفاً بصوت لذيذ حصل للقلب حظه ونصيبه من إدراك المعنى ابتهج به أتم ابتهاج على حسب ادراكه له، وللروح حظها ونصيبها من لذة الصوت ونغمته وحسنه، فابتهجت به فتتضاعف اللذة ويتم الابتهاج ويحصل الارتياح، حتى ربما فاض علي البدن والجوراح وعلى الجليس وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم ولا يحصل إلا عند سماع كلام الله جل فى علاه، فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة وباشر القلب روح المعني وأقبل بكليته على المسموع فألقى السمع وهو شهيد وساعده صوت القارئ.
كاد القلب يفارق هذا العالم ويلج عالماً آخر ويجد له لذة وحالة لا يعهدها فى شيء غيره البتة وذلك رقيقة حال أهل الجنة فى الجنة، فيا له من غذاء ما أصلحه وما أنفعه.
وقد كان أستاذي رحمه الله إذا طابت مسامعه بشىء من القرآن الكريم يهتز كيانه كله فرحا ويتألق وجهه بِشرا وأنبأني أنه كان يشعر بلذة لا تدانيها لذة فى الدنيا وأن نفسه ما طابت ولا اهتز قلبه ولا سعد فى دنيا البشر سعادة كتلك التى تغشاه حين يسمع كلمات من الذكر الحكيم ، فلما سألته عن القلب الذي تربى على سماع الغذاء الشيطاني ؟
قال لن يجد شيئا من ذلك فى سماع القرآن وأضاف أنه ليس في نعيم أهل الجنة أعلى من رؤيتهم وجه الله محبوبهم سبحانه وتعالى عيانا وسماع كلامه منه، فذكرته بما رواه الامام أحمد بن حنبل فى كتابه 'السنة'
أن إذا سمع الناس القرآن الكريم يوم القيامة من الرحمن عز وجل فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك
فقال ولم لا ؟!
فإن القلب إذا امتلأ بشيء وارتفعت المباينة الشديدة بين الظاهر والباطن أدت الأذن إلى القلب من المسموع ما يناسبه وإلا لم يدل عليه ذلك المسموع، ولا قصده المتكلم ولا يختص ذلك بالكلام الدال على معنى، بل قد يقع فى الأصوات المجردة وهذا السماع الروحاني تبع لحقيقة القلب ومادته منه، فالاتحاد به يظن به السامع أنه أدرك ذلك المعني لا محالة من الصوت الخارجي وسبب ذلك إتحاد السمع بالقلب
فسألته عن أكمل السماع؟
قال هو سماع من يسمع بالله ماهو مسموع من الله تعالى وهو كلامه وهو سماع المحبين المحبوبين، كما في حديث البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه أنه قال
(ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي)
"صحيح أخرجه البخاري حديث ٦٥٠٢"
فقلت ولم لا ؟
فالقلب يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة فإذا امتلأ من محبة الله وسمع كلام محبوبه أي بمصاحبته وحضوره فى قلبه، فله من سماع هذا شأن ولغيره شأن آخر.
فسألته عمن اتصف قلبه بصفات نفسه ؟
قال هو على ثلاثة أقسام أحدها
١ من اتصف قلبه بصفات نفسه بحيث صار قلبه نفسا محضة فغلبت عليه آفات الشهوات ودعوات الهوى فهذا حظه من السماع كحظ البهائم لا يسمع إلا دعاءً ونداءً.
القسم الثاني: من اتصفت نفسه بصفات قلبه فصارت نفسه قلبا محضا فغلبت عليه المعرفة والمحبة والعقل واللُب وعشق صفات الكمال فاستنارت نفسه بنور القلب واطمأنت إلى قلبها وقرت عينها بعبوديته وصار نعيمها في حبه وقربه، فهذا حظه من السماع مثل _أو قريب _ من حظ الملائكة وسماعه غذاء قلبه وروحه وقرة عينيه ونعيمه من الدنيا ورياضه التى يسرح فيها وحياته التى بها قوامه وإلى هذا المعنى قصد أرباب سماع القصائد والأبيات ولكن أخطأوا الطريق وأخذوا عن الدرب شمالا ووراء.
وأما القسم الثالث، من له منزلة بين منزلتين وقلبه باقٍ على فطرته الأولى، ولكن ما تصرف فى نفسه تصرفا أحالها إليه وأزال به رسومها وجلى عنه ظلمتها ولا قويت النفس على القلب بإحالته إليها وتصرفت فيه تصرفا أزالت عنه نوره وصحته وفطرته فبين القلب والنفس منازلات و وقائع والحرب بينهما دولٌ وسجِال، تدال النفس عليه تارة ويدال عليها تارة، فهذا حظه من السماع حظٌ بين الحظين ونصيبه منه بين النصيبين فإذا صادفه وقت دولة القلب، كان حظه منه قويا وإن صادفه وقت دولة النفس كان ضعيفا ومن هنا يقع التفاوت في الفقه عن الله والفهم عنه والابتهاج والنعيم بسماع كلامه، فقلت الآن أدركت أن صاحب هذه الحال فى حال سماعه يشتغل القلب بالحرب بينه وبين النفس، فيفوته من روح المسموع ونعيمه ولذته بحسب اشتغاله عنه بالمحاربة ولا سبيل إلى حصول ذلك بتمامه حتي تضع الحرب أوزارها، وربما صادف فى حال السماع وارد حق أو الظفر بمعنى بديع لا يقدر فكره على صيده كل وقت فيغيب به ويستغرق فيه عما يأتي بعده فيعجز عن صيد تلك المعاني ويدهشه ازدحامها فيبقي قلبه باهتا وهناك نوع آخر أعلي وأرفع، فهو سير فى الله وهو أعلي من مجرد المسير إليه ولا ينقطع بذلك سيره إليه بل يدرج سيره، فإن سير القلب فى معاني أسمائه وصفاته وتوحيده ومعرفته ومتي بقيت للقلب فى ذلك ملكة واشتد تعلقه به، لم تحجبه معاني المسموع وصفات المتكلم، بعضها عن بعض ولكن في الإبتداء يعسر عليه ذلك وفي التوسط يهون عليه ولا انتهاء ههنا البتة.
فلما سألته عن الدرجة الثانية من درجات الأُنس ؟
قال : هو الأُنس بنور الكشف وهو أُنس شاخص عن الأنس الأول تشوبه صولة الهيمان ويضربه موج الفناء وهو الذي غلب قوما على عقولهم وسلب قوما طاقة الاصطبار وحل عنهم قيود العلم وفي هذا ورد الخبر بهذا الدعاء
(أسألك شوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة )
"صحيح أخرجه أحمد فى المسند ٥/١٩١"
فلما سألته عن الدرجة الثالثة قال هي أُنس إضمحلال في شهود الحضرة لا يعبر عن غيبة ولا يشار إلى حده ولا يوقف علي كنهه وهو يعني مشاهدة الحقيقة والفناء فى ذلك الشهود مع ظهور سلطان الحقيقة التى هي فوق الإشارة والعبارة والدلالة.
( يراجع كتاب مدارج السالكين لابن القيم الجزء الثاني ١٢٦:١٣٧)
فاللهم اجعلنا من أهل أُنسك المستأنسين بالذكر واجعلنا من أهل سماع كتابك وأهل معرفتك واجعل غذاءنا الذي تتغذى به قلوبنا المشرقة بنور الأُنْس لسماع ماهو مسموع من الله وكلامه سماع المحبين المحبوبين واملأ قلوبنا من محبتك وأصلح نفوسنا وصدورنا بكلامك مصاحبة وحضوراً واجعل نفوسنا قلوبا محضة تغلب عليها المعرفة والمحبة والعقل واللُب وعشق صفات الكمال ونورها بنورك وطمئنها بمعرفتك وأقرها بعبوديتك يا أول الأولين ويا آخر الأخرين ويا ذا القوة المتين يا راحم المساكين
اللهم اهدنا من عندك وأفض علينا من فضلك وانشر علينا رحمتك وأنزل علينا بركاتك، طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يا فارج الهم، يا كاشف الكرب، يا صادق الوعد، يا موفيا بالعهد، يا حي لا إله إلا أنت، يا مجيب دعوة المضطرين ويا رحمن يا رحمن يا رحمن نعوذ بك من ذنب يحبط الأعمال أو يرينا الأعداء ونعوذ بك من ذنب يقطع الرجاء ويمنع النعم ويستجلب النقم، وصل اللهم على حبيبنا وقرة أعيننا الرحمة المهداة والنعمة المسداة، صاحب الضراعة والشفاعة والوسيلة والدرجة الرفيعة والحُجة والبرهان والسلطان، صاحب التاج والمعراج وراكب البراق والنجيب، معلم الناس الخير وهادي البشرية إلى الرشد وداعي الخلق إلى الحق ومخرج الناس من الظلمات إلى النور، نبي الرحمة وإمام الهدي، البشير السراج المنير وعلى آله الطيبين الطاهرين و على زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين
ما هبت النسائم و ما ناحت على الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجي حادٍ
وحنت بالفلا وجناء
المستشار: عادل رفاعي 🌹❤️
