الحمد لله الذى لهيبة عظمته تحرك الساكن وارتج وإلى كثير عطائه قطع قاصدوه العميق الفج سبحان الذى استدعى من شاء الى زيارة بيته العتيق وحرك عزم القاصد و أعانه بالتوفيق وسهل للسالكين إلى حرمه مستوعر الطريق ووعد الطائعين القبول وهو بإنجاز الوعد خليق .
أحمده تعالى حمد موقن آمن به وعرفه وأشكره على إدراك ذى الحجة ويوم عرفة ، وأشهد له بنفى المثل فى الذات والصفة
وأن محمدا عبده ورسوله ارسله بالرحمة وبالرأفة
فمحمد صفوة البارى وخيرته النبى الذى طابت الدنيا ببعثته
وهو يوم بعث الناس شافعنا
خير الأنام ماطلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر وعلى الآل والصحب قاطبة ما جن ليل الدياجى أو بدا السحر
في عرفة يجتمع الحجيج علي صعيد واحد في مكان واحد بلباس واحد وقد جعلوا وراءهم الدنيا ظهريا وهذا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يعلن أنه "ليس يوم أكثر من أن يعتق الله فيه أحدا من النار كيوم عرفه".
فهو بحق خير يوم طلعت عليه الشمس فالله الجليل أراد أن يجمع هؤلاء الحجيج من سائر أقطار الأرض إلي بيته الحرام يهتفون جميعا وسط هذا الطُهر بالنداء المقدس "لبيك اللهم لبيك" وفي هذه البقعة المقدسة يجتمع وفود الحجيج ضيوف الرحمن تلبية واستجابة لدعوة الملك الديان وطاعة لأوامره متجهين بقلوبهم وأفئدتهم إلي أول بيت وضع للناس في الأرض ومنه بزغت شمس الهداية التي أرسلت أشعتها علي أرجاء الكرة الارضيىة ونادي فيهم أن هلموا إلي أشرف بقعة من بقاع الأرض لتجتمعوا في صعيد واحد وعلى دين واحد لعبادة رب واحد في زي واحد وطهر واحد وغرض واحد حيث لا رفث ولا فسوق ولا جدال حتي يكون ذلك أبلغ في تعارفكم و أقوي علي تعاونكم و أدعي علي توثيق الروابط علي أممكم فتزول من بينكم الفوارق وتتحقق الأخوة الخالصه وتتعاونوا علي ما فيه إنهاضكم وتتعاقدوا علي الأخذ بنصرة المهضومين منكم ولتقفوا جميعا في وجه عدوكم لتصبحوا يدا واحده وقلبا واحدا وجسدا واحدا اذا ألم فيه عضو ألم له سائر الأعضاء .
تسعدون بما تنفقون هناك من صدقات ونذور وهدايا و أجور لسكان بيت الله الحرام الذي أشرق منه شمس الإسلام وفيه ولد وبعث الحبيب المصطفى صلي الله عليه وسلم مستجيبين لدعوة أبيكم إبراهيم الخليل عليه السلام
"فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم"
قال إبن عباس لو قال الله تعالى أفئدة الناس لأزدحم علي البيت فارس والروم والهند واليهود والنصارى والمجوس .
إن يوم عرفة عظم الله أمره ورفع على الأيام قدره ومن فضائله أن الله تعالى يباهى بالحاج فيه ملائكته ويعمه بالغفران وينزل الى السماء الدنيا يقول انظروا إلى عبادى أتونى شُعثا غُبرا من كل فج عميق أشهدكم أنى قد غفرت لهم.
وعن عبدالله إبن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يبقى أحد يوم عرفة فى قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا غُفر له فقال رجل لأهل مُعرِف يارسول الله أم للناس عامة ؟
قال لا بل للناس عامة .
وعن أبى قتادة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن صوم يوم عرفة فقال كفارة سنتين وعن أبى جعفر أنه قال اول قطرة من دم الأضحية كفارة لأربعة آلاف خطيئة
(يراجع كتاب التبصرة لابن الجوزى من ص 516 الى ص 519) وخير الدعاء يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وحده وهو على كل شيء قدير.
وفي هذا اليوم وقد فارق الحاج وطنه وارتدي لباسا هو أشبه بالكفن يتذكر خروجه من الدنيا ويتذكر ما هو قادم عليه من أحوال الآخرة من يوم مرقده الي ساعة وقوفه بين يدي ربه يوم يُحشر الخلائق في صعيد واحد حفاة عراة فيخرج من بيته تاركاً أهله و ولده مفارقا ماله ووطنه بعيدا عن عاداته نائيا عن مألوفاته متجردا من مخيط ثيابه مُعرضا عن زخرف الدنيا ونعيم الحياة يقف على هذا الحال أشعث أغبر فوق جبل مُقفر باكياً عن ذنبه ضارعا إلي ربه يضج بالتلبية متذللاً يستغفر مولاه متندما لا يدري هل يقبلة ربه فيكون سعيه مشكورا ؟ أو يرد عليه حجته فيرجع خائبا محسورا ؟
أليس ذلك ما يهذب النفوس العاصية ويردها من الحج نقيه طاهرة قد شملها الله تعالى بمغفرته وغشيها برحمته وباهي بها ملائكته وأخرجها من ذنوبها كيوم ولدتها أمها
وهذا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يرد علي الثقفي الذي جاء يسأل عن الحج قال انك إذا خرجت تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفة ولا ترفع إلا كتب الله لك بها حسنة و محا عنك خطيئة وأما ركعاتك كعتق رقبة من بني إسماعيل عليه السلام وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله يهبط إلي سماء الدنيا فيباهي بك الملائكه فلو كانت ذنوبكم بعدد الرمل أو قطر المطر أو كزبد البحر لغفرتها أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم لهم ، وأما رميك الجمار فلك بكل حصي رميتها تكفير كبيره من الموبقات ، وأما نحرك فمذخورا لك عند ربك وأما حلاقة رأسك لك بكل شعره حلقتها حسنة و تُمحي عنك بها خطيئة وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك يأتي ملك حتى يضع يديه على كتفيك يقول إعمل فيما تُستعمل فقد غُفر لك ما مضي .
وهذا سيد المرسلين محمد صلي الله عليه وسلم يقول : الحجاج والعمار وفد الله عز وجل يعطيهم ما سألوا ويستجيب لهم ما دعوا ويخلف عليهم ما أنفقوا الدرهم الف الف. فيا كثرة ما أعطاهم الله من العطايا وياشرف ما أنالهم من الهدايا فقد تلقاهم بالجود والتحايا وحط عنهم من الذنوب و الخطايا، وأنعم عليهم بكل مطلوب وقابلهم بالعفو من الذنوب والآن وقد تقطعت بنا السبل و حيل بيننا وبين بيت الله الحرام فإننا إن لم نصل إلى ديارهم فلنصل انكسارنا بانكسارهم إن لم نقدر على عرفات فلنستدرك ما قد فات، إن لم نصل الى الحجر فليلن كل قلب حجر إن لم نقدر على منى فلنقم بمأتم الأسف ههٰنا فمن لم يُغفر له فى هذا اليوم فهو غريب فلننزل دموع الحسرات لعل غفار الذنوب يستر العيوب .
وعن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أن داود عليه السلام قال إلهي ما لعبادك عليك إذا ما زاروك في بيتك؟ قال لكل زائر حق علي المزور حق يا داوود إن لهم علي أن اعافيهم في الدنيا و أغفرلهم إذا لاقيتهم
وهذا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يقول بملء فيه
" إن الله تطول على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة يقول يا ملائكتى انظروا إلي عبادي شُعثا غُبرا أقبلوا يضربون إليَّ من كل فج عميق فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم وشبعت رغبتهم و وهبت مسيئهم إلي محسنهم وأعطيت لمحسنيهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم فإذا أفاض القوم و وقفوا كفلت عنهم التبعات التي بينهم وقد روي إبن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفه بالمغفره فأُجيب أني قد غفرت لهم ما خلا الظالم فإني آخذ للمظلوم منهم قال أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم فلم يُجب عشيته فلما ألح رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سؤاله لربه بمزدلفة أُجيب لما سأل فضحك صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر بأبي أنت و أمي إنَ هذه ساعة ما كنت تضحك فيها فما الذي أضحكك أضحك الله سنك ؟ قال إن عدو الله إبليس لما علم أن الله عز وجل قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه علي رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكني ما رأيت من جزعه .
فأي كرامة بعد هذه الكرامة التي أعدها الله لزوار بيته وحجاج حرمه ووفده يغسل ذنوبهم ويطهر نفوسهم ويبارك لهم في أعمالهم ويخلف عليهم ما أنفقوا ويستجيب دعاءهم ويقضي حاجتهم وينظر إليهم ومن نظر الله إليه لا يعذبه أبدا فاللهم لا تقطعنا عن حج بيتك الحرام و مُن علينا بدوام زيارة مسجد نبيك الكريم واختم لنا أعمالنا يارب بالرضوان والبعد عن النيران واغفر لنا الذنوب التي تهتك العصم وتحبس الدعاء وتقطع الرجاء وارزقنا شفاعة سيد الأنبياء واسقنا من حوضه برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم يا كاشف الكرب اكشف كروبنا يامنتهى الآمال بلغنا مطلوبنا برحمتك نسألك توبة نصوحا وعملا متقبلا وسعيا مشكورا وتجارة لن تبور نسألك ان تحفظ علينا النعم وتدفع عنا النقم وترد عنا البلايا والأسقام ونسألك أن ترزقنا حلو الحياة وسعة الرزق وراحة البال وحسن الخاتمة والفردوس الأعلى من الجنة برفقة حبيبك المصطفى صلي الله عليه وسلم ولا تحرمنا من زيارة بيتك العتيق ببلدك الحرام و زيارة نبيك بالمدينة المنورة
المستشار : عادل رفاعي 🌹♥️
