روي عن معاوية أنه قال لأصحابه :
بأي شيء تعرفون الأحمق بغير مجاورة
قال بعضهم: من قبل مشيته ونظره وتردده وقال البعض من الخصال والأفعال ومن ذلك ترك نظره في العواقب وثقته بمن لا يعرفه، وعن عمر بن عبد العزيز:
ما عدمت من الأحمق فلن تعدم خلتيه
١_ سرعة الجواب
٢_ كثرة الإلتفاتات
وقال الأعمش:
إذا رأيت من ليس عنده شيء من العلم أحببت أن أصفعه،
وقد كان لي صديق طيب القلب، كان ضحوكا، كان شاباً يافعاً، منطلقاً في دروب الحياة تملأ وجهه ابتسامة عريضة لكنه كان يحمل بين دفتي نفسه أسباب فشله الذريع لحمقه وقلة اكتراثه وعدم تريثه وعدم نظره في العواقب بتؤدة وروية وثقته المفرطة بمن لا يعرفه ولا يخبره، كان كثير الكلام فهو يهرف فيما لا يعرف بشكل يضجرك منه، كان قليل الفعال، خالٍ من العلم، يتعيش علي الأساطير والنوادر والخرافات والترهات وحكايا الأولين، كان يهيم عشقاً بالمدح وإن كان كذبا، وكان يتأثر كثيراً بمن يعظمه وإن كان غير مستحق لذلك، كان سفيها جاهلا مضياعاً، إن قال لم يحسن القول، وإن قيل له صعب عليه الفهم، إلا إنه كان يتوهم أنه أعقل الناس وأكثرهم فهما،
كان أنموذجا من الحمق، إذا سُئل كان سريع الجواب قليل التثبت، وقد ورد في الحديث الشريف لا تؤاخ الأحمق فإنه يشير عليك ويجهد نفسه فيخطئ وربما يريد أن ينفعك وسكوته خيرٌ من نطقه، وبعده خير من قربه،
كان صاحبي لا يفرق بين عدوه وصديقه من فرط بلاهته،
كان عجولا خفيفا، غافلاً، متوانيا، طياشا، لا يزن الأمور بميزان العقل،
يحدثك عن أحلام ضخمة وأمنيات عظيمة، تكتشف بعد برهة بشيء من التحقق والتثبت أنها لا تعدو أن تكون قصوراً علي الرمال لا أساس لها من الواقع البتة.
والواقع أنه كان ممثلاً قديرا، يلبس بين الفينة والأخري وجوهاً متعددة ويحدثك بلسانِ هذه الوجوه والشخصيات بعد أن يوهم نفسه بأن هذه الشخصية قد تَلَبَّسَته وصار محترفاً فيها عالماً بأسرارها مُلِمّا بدقائقها والطامة الكبري أنه لم يكن يقبل نصحا، من أجل ذلك فحياته سلسلة من الكوارث المتلاحقة، تضيع فيها أمواله وأموال من وثقوا به لتكون في مهب الريح، فهو لا يؤمن بالخبرة ولا بالبحث والتحري وتَلَمُّس أسباب النجاح وظروف واحتياجات السوق، يعيش علي الأوهام، ويطير علي متن السراب ويحلق علي أجنحة الشياطين، حين تسمع حديثه للوهلة الأولي تتوهم أنه وزن الأمور بميزان التقدير وروح التمييز، بنور الإقناع وطمأنينة اليقين في حقٍ لا يمازجه باطل، إلا أن ذلك كله سرعان ما يزول كل ما له من ظل بالواقع حين تتلاحق النكبات والكوارث، والأعجب أنه لا يتعلم من ذلك أو يفيق من سباته العميق وغفلته الشديدة وحمقه المقيت، وبدلاً من أن يتعلم من أخطائه يلجأ إلي ضحية جديدة متوثباً علي أمواله ليغامر بها من جديد، إذ صار مع الوقت ومع الخيبات اللي سودت صفحات حياته متطلعاً لما في أيدي الناس
فأضحي يجهد جهده لا أن ينجح بالعلم والخبرة وتلمس أسباب النجاح، ولكن بأن يستدر عطف من حوله حتي يكون له ردئاً وسندا فإذا ما نجح في ذلك تراه مضياعاً يكرر الأخطاء السالفة ذاتها، لذلك دخل في منتصف العقد الخامس من عمره بلا كيان أو عمل أو بيت أو مستقبل، فهو سادر في غيه وترهاته وما زال يخبط خبط عشواء ويظن أنه بعد أن زُيِّن له سوء عمله أنه يحسن صُنعا، حقا إن هجران الأحمق قربة إلي الله عز وجل.
وشدني ذلك أن أغوص في أغوار التاريخ لأتحدث عن أشهر الحمقي فهالني أن أُفجع بأن أول الحمقي كان إبليس، إذ إنه كان متعبدا مؤذنا للملائكة فظهر منه من الحمق والغفلة ما يزيد عن كل مغفل، حين رأي آدم مخلوقا من طين أضمر في نفسه لئن فُضِّلت عليه لأهلكنه ولئن فُضِّل عليَّ لأعصينه
ولو تدبر الأمر بعقل وروية لعلم أن الإختيار قد سبق لآدم ولم يتق مغالبته بحيلة ولكنه جهل القدر ونسي المقدار، ثم إنه لو وقف علي هذه الحالة لكان الأمر يحمل علي الحسد، ولكنه خرج إلي الإعتراض علي المالك سبحانه بالتخطئة للحكمة
فقال: (أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ) الإسراء ٦٢:.
والمعني لما كرمته ؟
ثم زعم أنه أفضل من آدم بقوله:
(خلقته من نار وخلقتني من طين) الأعراف ١٢:.
وقد وقع إبليس في خطأ حيث قاس مع وجود النص وخفي عليه فضل الطين علي النار، و القياس إذا صادم النص وقابله كان باطلاً ويسمي قياساً إبليسياً فضلا علي قوله أنا خير منه كذب، فإنه لا يلزم من تفضيل مادة علي مادة تفضيل المخلوق منها علي المخلوق من الأخري، فإن الله يخلق من المادة المفضولة ماهو أفضل من غيرها وهذا من كمال قدرته سبحانه، ولهذا كان محمد وابراهيم وموسي وعيسي ونوح والرسل أفضل من الملائكة وكذلك صالحوا البشر، فالتفضيل ليس بالمواد والأصول ولهذا كان العبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خير وأفضل عند الله من سادات قريش
(يراجع في ذلك كتاب زاد المسير ٣/١٧٤ لابن الجوزي وكتاب الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية ٣/١٠٠٢)
والحق إن إبليس في ذلك الكلام ذهب إلي أنه أحكم من الحكيم وأعلم من العليم فكأنه يقول يا من علمني أنا أعلم منك ويا من قدر تفضيل هذا عليّ ما فعلت صوابا
ومن شدة غبائه وحمقه أنه لما أعيته الحيل رضي بإهلاك نفسه فأوثق عقد إصراره ثم أخذ يجتهد في إهلاك غيره ويقول "لأغوينهم" وجهله في قوله (ولأغوينهم) الحجر ٣٩".
من وجهين أحدهما أنه أخرج ذلك مخرج القاصد لتأثر المعاقب له وجهل أن الحق سبحانه وتعالى لا يتأثر ولا يؤذيه شيء ولا ينفعه لأنه الغني بنفسه
والثاني: نسي أنه من أريد حفظه لا يقدر علي إغوائه، ثم انتبه لذلك فقال ( إلا عبادك منهم المخلصين) الحجر ٤٠".
فإذا كان فعله لا يؤثر وإضلاله لا يكون، لمن قدرت له الهداية فقد ذهب علمه باطلاً، ثم رضي لخساسة همته بمدة يسيرة يعلم سرعة انقضائها فقال: (أنظرني إلي يوم يبعثون) الأعراف ١٤".
وصارت لذته في إيقاع العاصي بالذنب كأنه يغيظ بذلك ولجهله بالحق أنه يتأثر ثم نسي قرب عقابه الدائم، فلا غفلة كغفلته ولا جهالة كجهالته وفي ذلك يقول أبو النواس:
عجبت من إبليس في نخوته
وخبث ما أظهر من نيته
تاه علي آدم في سجدة
وصار قواداً لذريته
فلعنة الله علي إبليس، كان أحمقا مغفلاً.
ثم تصفحت صفحة الكون فوجدت من زاد علي ابليس في الجنون والتغفيل وهو أبو الحسين ابن الراوندي، فإن له كتباً يزري فيها علي الأنبياء عليهم السلام ويشتمهم ثم أَلّف كتاباً يهاجم فيه القرآن الكريم ثم ألف كتاباً سماه الدامغ، أعلن فيه إلحاده متهجماً فيه علي الخالق الأعظم سبحانه وتعالى.
ثم قلبت صفحة الكون فألفيت قابيل تبع إبليس في الغفلة والحمق في قوله "لأقتلنك" ثم وجدت النمرود ابن كنعان الذي قال (أنا أحيي وأميت) البقرة ٢٥٨".
ثم فرعون مصر الذي قال:
(أليس لي ملك مصر)الزخرف ٥١".
وقد ضرب له الحكماء مثلاً فقالوا:
أدخل إبليس علي فرعون فقال : من أنت ؟
قال : إبليس قال : ما جاء بك ؟
قال: جئت أنظر إليك فأعجب من جنونك
قال: وكيف ؟
قال: أنا عاديت مخلوقاً مثلي وامتنعت من السجود له فَطُرِدت ولُعِنت وأنت تدعي أنك انت الإله
هذا والله الجنون البارد.
ومن أعظم التغفيل ما ادعاه اخوة يوسف في قولهم (أكله الذئب+ يوسف ١٤".
وقميصه لم يُشَق
ومن التغفيل ادعاء هاروت وماروت الاستعصام عن الوقوع في الذنب ومقاومة الأقدار، فلما نزلا من السماء علي تلك النية ارتكبا من الجرائم ما يشيب لهوله الولدان.
ومن عجيب التغفيل، قول بني اسرائيل لموسي الكليم عليه السلام
بعد أن جاوز بهم البحر (إجعل لنا إلها) الأعراف ١٣٨".
ولما قلبت في صفحات التاريخ وجدت أن من أعجب التغفيل أن الرافضة يعلمون إقرار عليّ على بيعة أبي بكر وعمر وتزويجه أم كلثوم ابنته من عمر وكل ذلك دليل علي رضاه ببيعتهما، ثم فيهم من يسبهما بزعم حبه لعلي.
وهو الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بكر وعمر هذان سيدا كهول أهل الجنة ثم يسبهما ويتبرأ منهما.
(يراجع كتاب أخبار الحمقي والمغفلين لابن الجوزي ص ١٦٥:١٧٢)
والخلاصة أن المغفلين والحمقي كُثُرٌ وأن إعمال العقل بتؤدة وروية تُصان به العقول والأعراض وتحفظ به الأموال وتندفع به غوائل الفساد والفوضى وتتآلف القلوب وتلتئم الأمم والشعوب ويرتفع التقاطع والتخالف وأن من رام مجانبة العقل والتحف بالحمق عَرَّضَ الحياة للضياع والعمران للخراب والحضارة للدمار والعزة للهوان والكثرة للنقصان والإستقرار للفوضي.
فاللهم اجعلنا ممن التزم الحكمة وأعمل العقل ولاذ بالروية وطرق باب الحكمة والفضل بأنامل الرجاء وتلمح وعد الصادق بجزيل العطاء وتأهب للحضور يوم اللقاء.
جعلنا الله وإياكم ممن أفاق لنفسه وأعد عدة تصلح لرمسه واستدرك في يومه ما مضي من أمسه إنك سميع الدعاء
وصل علي سيد الرُسل وخاتم الأنبياء صلاة تملأ خزائنك نورا وتكون لنا وللمؤمنين فرجا وفرحا وسرورا ماهبت النسائم وما ناحت علي الأيك الحمائم ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجي حادٍ وحنت بالفلا وجناء
المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️
