اعلموا يا عباد الله أن عيد الفطر الذي مضي منذ أيام هو يوم الجائزة الكبرى للصائمين، وهو يوم المكافأة من الله تعالى، فهنيئا لمعشر الصائمين إستقبال في ذلك اليوم الرحمات والعطاءات، فإن الملائكة ينتظرونكم على أفواه الطرق يبشرونكم بعطاء الله العظيم وجزائه الكريم على صيامكم وقيامكم، فهنيئا لمن صام وقام وأحسن الكلام واغتنم فضائل الأيام، واعلموا أنه كان أول سنن يوم العيد هو التجمل والتطهر والتبكير، حيث قال ابن الجوزي " وأول وظيفة تختص بالعيد الغسل، ثم البكور والخروج على أحسن هيئة" وكما قال نافع كان ابن عمر رضي الله عنه يغتسل في يوم العيد، كغسله من الجنابة، ثم يمس من الطيب، إن كان عنده، ويلبس أحسن ثيابه" وعن سليم بن عامر، قال سمعت عبد الله بن قرط الأزدي، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول في يوم أضحى أو فطر.
ورأى على الناس ألوان الثياب، فقال "يا لها من نعمة ما أسبغها، يا لها من كرامة ما أظهرها، وإنه ما زال عن جادة قوم أشد من نعمة لا يستطيعون ردها، وإنما تثبت النعمة بشكر المنعم عليه للمنعم" واعلموا يا عباد الله أن أهل العلم اختلفوا في أفضل الأعمال التي يجني منها الإنسان رزقه، فقيل التجارة وقيل الصنعة باليد، وقيل إن الزراعة هي أطيب المكاسب ورجّح النووي هذا القول، ويتبين أيضا من هذا الحديث أن الثواب الذي يجنيه العبد إذا أكل من زرعه أو أتلف هو ثواب خاص بالمسلمين، ولا يناله غيرهم، فهم سينالون أجرهم على هذا في الآخرة بإذن الله تعالي، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له ألست فيما شئت؟ قال بلي ولكن أحب أن أزرع، فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤة واستحضاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء"
وهنا يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل من أهل الجنة، ومتنعم بنعيمها يطلب من الله تعالى أن يزرع في أرضها، فيسأله الله تعالى أليس لديك جميع ما تحب وتشتهي من الطعام والشراب وأصناف النعيم، فلماذا تحتاج إلى الزرع، فيقول إنه يحب ذلك فيبذر البذور في أرض الجنة، فما هي إلا أقل من طرفة عين فينمو زرعه ويتكاثر حتى يصبح كالجبال، ويكون نموه هذا بدون حصاد وسواه مما يحتاج إليه الزرع في الدنيا، فيقول الله عز وجل حينها خذ ما شئت، فإنه لا يشبعك شيء، وفي هذا توبيخ لبني آدم وأنهم يحبون الكثرة ويطلبون المزيد حتى وإن كانوا في الجنة، وروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له " إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين" رواه أحمد.
فقصد السبيل هو ألا يسرف المرء في الطيبات حتى تفضي به إلى الترف والبطر والوقوع في الشبهات، وألا يشدد على نفسه حتى يأخذ منه التنطع، ويزحف إليه الملل، وكلا الأمرين مجاف للحنيفية السمحة والمنهج الحق الذي جاء به الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والكيس من ساس نفسه وأخذها بالتي هي أقوم، وكما حرص الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وأصحابه على الخير، وفي هذا الحديث يوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه على أمته، ورأفته بهم، وعنايته بتربيتهم وحرص أصحابه رضي الله عنهم، على تتبع مناهجه، وتقصي سيرته، وهكذا تكون سيرة الحكماء المربين مع الطلاب الراشدين، فكان هذا أزهد البشر صلوات الله وسلامه عليه وهديه أكمل الهدي، وطريقه أقوم الطرق كان يحب الحلواء والعسل، ويأكل اللحم ويختص بالذراع وكانت تعجبه، وكان يستعذب له الماء.
وينقع له الزبيب والتمر، وأخبر أنه حُبب إليه النساء والطيب، وكان ينهى عن الترهب والغلو حتى عدّ فاعلها خارجا عن سنّته، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مستفيضة، وما كان يتكلف من هذه المباحات شيئا ولا يتشهاه، ولكنه إذا وجده لم يكن يرفضه ولا يأباه، وفصل الخطاب أن خطر المباح إنما هو من ناحية ما يعرض له من التوسع فيه والاشتغال به، وقلما نرى منغمسا في الترف عرف الله حق معرفته وشكره حق شكره.
