لقد أقام الله سبحانه وتعالى الخلق بين الأمر والنهي، والعطاء والمنع، فافترقوا فرقتين، فرقة قابلت أمره بالترك، ونهيه بالارتكاب، وعطاءه بالغفلة عن الشكر، ومنعه بالسخط، وهؤلاء أعداؤه، وفرقة قالوا إنما نحن عبيدك إن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة، وإن نهيتنا كففنا عما نهيتنا عنه، وإن أعطيتنا حمدناك وشكرناك، وإن منعتنا تضرعنا إليك وذكرناك، فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة، فإذا ماتوا صاروا إلى النعيم المقيم، كما أنه ليس بين أولئك وبين النار إلا ستر الحياة، فإذا مزقه الموت صاروا إلى الحسرة والعذاب الأليم، فلينظر الإنسان مع أي الفريقين هو؟ وإلى أي الدارين يسير؟ فقال الله عز وجل كما جاء فى سورة السجدة" أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون، أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون، وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به تكذبون"
فسبحان العليم الذي أحاط علمه بكل شيء، ووسعت رحمته كل شيء فقال تعالى كما جاء فى سورة الزخرف " وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله وهو الحكيم العليم" فهذا هو رسول الله صلي الله عليه وسلم، الذي كان من أخلاقة العالية صلى الله عليه وسلم هو السماحة والعفو، فغزا النبي صلى الله عليه وسلم قِبل نجد، فلما كانوا في الطريق راجعين استراحوا في الظهيرة، فنام النبي صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة وعلق بها سيفه، ونام الصحابة رضي الله عنهم فإذا رسول الله يدعو صحابته وإذا عنده أعرابي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن هذا اخترط عليّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال من يمنعك مني؟ قلت الله ثلاثا، فسقط من يده فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف، فقال صلى الله عليه وسلم للأعرابي " من يمنعك مني؟" فقال كن خير آخذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم.
" تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟" قال لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى صلى الله عليه وسلم سبيله، فأتى الرجل أصحابه فقال لهم جئتكم من عند خير الناس" فانظروا إلي شجاعةَ النبي صلى الله عليه وسلم وعفوه، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يغفل في تلك اللحظة عن القيام بدعوته للإسلام واستغلال الموقف، فيقول للرجل "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟" ولم يكرهه على الإسلام، ولم يقتله ولم يعاقبه بأي عقوبه، ليعود هذا الرجل سالما ينادي أصحابه ليعطيهم درسا عمليا في سمو أخلاق هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، فعجبا ﻟﻚ ﻳﺎ ﺍﺑﻦ ﺁﺩﻡ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻭﻟﺪﺕ ﺗﻐﺴﻞ ﻭﺗﻨﻈﻒ، ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻤﻮﺕ ﺗﻐﺴﻞ ﻭﺗﻨﻈﻒ، وﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻮﻟﺪ ﻻﺗﻌﻠﻢ ﻣﻦ ﻓﺮﺡ ﻭﺍﺳﺘﺒﺸﺮ ﺑﻚ، ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻤﻮﺕ ﻻﺗﻌﻠﻢ ﻣﻦ ﺑﻜﻰ ﻋﻠﻴﻚ ﻭﺣﺰﻥ، ثم ﻋﺠﺒﺎ ﻟﻚ ﻳﺎﺍﺑﻦ ﺁﺩﻡ، وأنت ﻓﻲ ﺑﻄﻦ ﺃﻣﻚ ﻛﻨﺖ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻥ ﺿﻴﻖ ﻭﻣﻈﻠﻢ.
ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻤﻮﺕ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻥ ﺿﻴﻖ ﻭﻣﻈﻠﻢ، وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻭﻟﺪﺕ ﺗﻐﻄﻰ ﺑﺎﻟﻘﻤﺎﺵ ﻟﻴﺴﺘﺮﻭﻙ، ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻤﻮﺕ ﺗﻜﻔﻦ ﺑﺎﻟﻘﻤﺎﺵ ﻟﻴﺴﺘﺮﻭﻙ، وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻭﻟﺪﺕ ﻭﻛﺒﺮﺕ ﻳﺴﺄﻟﻚ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻦ ﺷﻬﺎﺩﺗﻚ ﻭﺧﺒﺮﺍﺗﻚ، ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻤﻮﺕ ﺗﺴﺄﻟﻚ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﻋﻦ ﻋﻤﻠﻚ ﺍﻟﺼﺎﻟﺢ؟ ﻓﻤﺎﺫﺍ ﺃﻋﺪﺩﺕ ﻵﺧﺮﺗﻚ ؟ فعليك أن تعود يا ابن آدم إلي الله عز وجل وأن تعلم أن الحياة الدنيا هي متاع الغرور، وإن الابتلاء هو تمحيص للعبد، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم في دعائه "ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" فالإبتلاء غسل للقلب وللمنهج، وغسل للطريق من القاذورات التي تعلق به، إما شهرة وإما سمعة وإما رياء لا يسلم منها العبد، فيقول رسول الله صلي الله عليه وسلم "عجبا لأمر المسلم إن أمره كله خير وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته نعماء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك إلا للمؤمن"
وإن الله تعالي يبتلي العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه، فيحب الله عز وجل أن يسمع تضرع العبد إليه سبحانه وتعالى، فهل فكرت قبل أن تطرق الأبواب، وقبل أن تستغيث بالناس، وقبل أن تلجأ إليهم أن تفر إلى الرب الغفور الرحيم، أن تلجأ إلى ذي الجلال والإكرام، قيل البلاء يستخرج الدعاء، فتجد الرجل لا يذكر ربه، لا يدعو الله، لا يقوم الليل، لا يقرأ القرآن، لا يتصدق، لا يفعل شيئا، فإذا نزل البلاء استخرج هذا كله، فدمعت عينه، ورفع يديه، خشع قلبه، سكنت نفسه، وتاب إلى الله، فمن يستطيع أن يدفع كل يوم مقابل نعمة مفاصل جسمه صدقات مالية بعددها البالغ ثلاثمائة وستين مفصلا؟ ولكن رحمات الله وبركاته وكرمه على عباده، جعلت فعل الخيرات هو من الصدقات، وجعل صلاة ركعتي الضحى تعدل هذا المطلوب الكبير من الصدقات، وسدادا للدين الواقع عليك في صبيحة كل يوم، وما سداد هذا الدين إلا من فعل الخيرات الذي تؤجر عليه.
