جاء أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه شرب لبنا فأعجبه، فقال للذي سقاه من أين لك هذا؟ فقال مررت بإبل الصدقة وهم على ماء فأخذت من ألبانها، فأدخل عمر يده فإستقاء، وهذه إمراة من الصالحات تقول لزوجها اتق الله في رزقنا، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار، وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "كلا، إني رأيته في النار في بردة أو عباءة غلها" يعني أخذها من الغنيمة قبل أن تقسم، فانظروا إلى رجل يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يكرمه الله بالشهادة ولكن لأنه أخذ حراما ربما يراه بعض الناس منا يسيرا بردة، أو عباءة أخذها من غنيمة شارك هو في القتال فيها.
ومع ذلك كله قال النبي صلى الله عليه وسلم "كلا، إني رأيته في النار " فالأمر خطير جدا جدا ياعباد الله، ألا يتقي الله من يرتشي وهو يسمع حيث النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله الراشي والمرتشي، فهذا هو رسول الله محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم، سيد العادلين والمتقين، هو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، هو الذي ينتهي نسبه إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، هو نبي الرحمة، أما بعد فإن هذا الدين الإسلامي الحنيف هو مجموعة أوامر الله التي أنزلها في كتابه، وأمر بها جميع عباده، فلا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة، إنما هي الزحزحة التي زاولتها أجهزة مدربة قرونا طويلة.
حتى إنتهت مسألة الحكم بغير ما أنزل الله إلى هذه الصورة الباهتة، وانفصلت أوامر الساحة والسوق عن أوامر المسجد، وظل الدين محبوسا في النفس وداخل المسجد، وحكم الطاغوت في بلاد المسلمين بغير ما أنزل الله، وتركهم يصلون صلاة لا روح فيها، لا تذكر بالله، ولا تزجر عن منكر، وهذا بلاء عظيم، وشر مستطير، ألا وهو قيام الحياة على غير التوحيد، وإن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك، ويتحرجون من هذه، ولا يتحرجون من تلك، إن هؤلاء لا يقرؤون القرآن كما أنزل، ولا يفقهون نصوصه، ولا يدركون كلياته، فليقرؤوا القرآن فهو مملوء بتقرير ذلك كما قال سبحانه وتعالى كما جاء فى سورة الأنعام " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" وقال سبحانه وتعالى كما جاء فى سورة التوبة.
" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون" وإن الخالق المالك الرازق هو الله وحده لا شريك له، وهو الحقيق بأن تكون له الربوبية والألوهية والعبودية بلا جدال، وأن يفرد سبحانه بتحكيم شرعه فيما خلق، وفيما رزق، وفيما أعطى، وفي كل شؤون الحياة، فالله وحده هو الذي له الحكم، إذا حرم الشيء فهو حرام، وإذا أحله فهو حلال، وإذا أمر فيجب أن يطاع أمره، وإذا نهى فيجب الكف عما نهى عنه، وهو سبحانه وحده المشرع للناس، كما أنه وحده المشرع للكون فقال تعالى كما جاء فى سورة الحج " فألهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمى الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" وإن كفر مزاولة التشريع بالتحليل والتحريم ككفر الاعتقاد وإشراك أحد مع الله في العبادة كلاهما شرك.
هذا شرك في العبادة، وذاك شرك في التشريع، وكلاهما من وحي الشيطان لا من وحي الرحمن، فكل من شرع للناس ما لم يأذن به الله من الشرك والبدع، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله ونحو ذلك فهو مشرك، ومن أطاعه واتبعه فهو مشرك، فقال تعالى كما جاء فى سورة الكهف" فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربة أحدا "
