📁 آخر الأخبار

🖤🌹 أيام الغضب 🌹🖤بقلم المستشار عادل رفاعي

 



وسط خضم هائل من أحداث جسام يشيب لهولها الولدان أقضت مضجعي وأسالت مدامعي وإن القلب ليرجف وهو يرمق الآفاق الداكنة فلا يرى هنا أو هناك إلا نُذر التدمير والإفناء، في غيبة من الرشد والعقل والضمير والأخلاق فاجتاحت نفسي ملالة واعتلت قلبي كآبة لم أجد لها من علاجٍ سوى أن آوي إلى قلمي وقرطاسي لأناشد الجميع أن ينتزعوا من أنفسهم الكراهية والقسوة وأن ينزعوا من قلوبهم كل سخيمة بحثاً عن الطمأنينة التي ضاعت وراحة البال التي وَلَّت

ولقد هزني ما ذكره الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم 

إذ قال: 

ثلاث من كن فيه آواه الله في كنفه، وستر عليه برحمته، وأدخله في محبته: من إذا أعطي شكر، وإذا أقدر غفر، وإذا غضب فتر (رواه الحاكم) 

وعن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: ما من جرعة أعظم أجرا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله. "رواه بن ماجة" 

والواقع أني طوفت ببعض النفوس فألفيت بعضها متعطشة للانتقام طلعة لايشبعها عرض تناله أو غرض تطاله إن رقت مرقى تطلعت لآخر وإن أدركت غاية استشرفت لأخرى 

فالحوادث جلل والمقام لا تشرحه العبارة وما زالت آثار تلك الأحداث حتى اليوم تنضح دماء وتقذف أشلاءً وتبتنى قتلا وتمزيقا وأحقادا.

والحقيقة أن إحساس المرء بعظمة نفسه ورسوخ قدمه وحصانة عرضه ضد المفتريات واحساسه بتفاهة خصومه أو عجزهم عن النيل منه أو قدرته على البطش بهم، كل ذلك يجعله بارد الأعصاب إذا أُهين بطيء الغضب إذا أُسيء إليه.

والغالب أن الإنسان يتغير ثم يغتاظ ثم تنجر ثوراته إذا أقتحمت نفسه كما يقتحم العدو بلدا سقط في قبضته وأعلن الاستسلام، أما إذا أيقن أن عدوه يحاول المستحيل باستفزازه وأنه مهما بذل فلن يخرجه عن سكونه، فإن هذه الطمأنينة تجعله يتلقى الضربات بهدوء أو بابتسام أو بسخرية،

ومع أن للطباع الاصيلة في النفس دخلا كبيراً في أنصبة الناس من الحدة والهدوء والعجلة والأناة والكدر والنقاء إلا أن هناك ارتباطا مؤكدا بين ثقة المرء بنفسه وبين أناته مع الآخرين وتجاوزه عن خطئهم، فالرجل العظيم حقا كلما حلق في آفاق الكمال اتسع صدره أو امتد حلمه وعذر الناس من أنفسهم والتمس من المبررات لاغلاطهم فإذا عدا عليه غر يريد تجريحه نظر إليه من قمته كما ينظر الحكيم إلى صبيان يعبثون فى الطريق، وقد رأيت الغضب يشتط بأصحابه الي حد الجنون عندما تقتحم عليهم نفوسهم ويرون أنهم حُقِّروا تحقيرا، لا يعالجه إلا سفك الدماء 

أفلو كان الشخص يعيش وراء أسوار عالية من فضائله يحس بوخز الألم على هذا النحو الشديد؟

كلا، إن الإهانات تسقط على قاذفها قبل أن تصل إلى مرماها البعيد 

" يراجع كتاب جدد حياتك للعلامة محمد الغزالي"

وحدث ذات مرة أن أغضبني سفيه أحمق فغلى الدم في عروقي وانتفخت أوداجي وبلغ بيّ الغضب مداه حتى هممت أن أثأر منه وأجعله أمثولة الدهر، فما كان من أستاذي الفقيه الأزهري رحمه الله والذي كنت برفقته إلا أن هدأ من روعي وذكّرني أن الغضب بحرٌ لا ساحل له يركبه مفاليس العالم وبضاعة ركابه مواعيد الشياطين وخيالات المحال والبهتان ولا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما يتلاعب الطلاب بالجيفة وهي بضاعة كل نفس خسيسة وذكرني أن الشاعر العربي يقول:

ما يضير البحر أمسى زاخرا، إن رمى فيه غلام بحجر ؟؟


وذكّرني بما نادى به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن من كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه إلا ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة 

"يراجع الألباني ت ١٤٢٠ السلسلة الصحيحة ٩٠٦ 

وذكّرني بحلم هود عليه السلام بعدما دعا قومه إلي التوحيد فقالوا 

(إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين). الأعراف ١٦٦ : ١٦٨".

فإن شتائم هؤلاء الجُهّال لم يطش لها حلم هود، فالشقة بعيدة بين رجل اصطفاه الله رسولا فهو فى الذؤابة من الخير والبر وبين قوم سفهوا أنفسهم وأدركت ساعتها أنه غافلٌ من ينساق وراء غضبه فيكتب اسمه على الرمال المتحركة ويجعل من عمره ورقاً يابساً ليصبح في مهب ريح السنين ويضحى أثراً بعد عين، أما أهل التعقل والسماحة فأسماؤهم معلقة أبدا على جدران الخلود ولاحت أمام ناظريّ صورة المؤمن كبير القلب، والقلب الكبير ليس تربة لجذور الغل تتشبث فيه وتمتد أما القاسية قلوبهم فهم ينظرون إلى غيرهم نظرة دونية كأنهم جراثيم قد حان انجعافها وثمرات خبيثة حان قطافها أو مُهج ملعونة قد حتم إتلافها، وأيقنت أن التفرغ للخصومات ديدن من لا عمل لهم إلا اللجاجة وإيثار النزاع وإن الرجولة الحقة لا تهزها الإساءات ولا تستفزها الجهالات لأن لغو السفهاء يتلاشى في رحابتها كما تتلاشي الأحجار في أغوار البحر المحيط.

لقد نظرت إلى أحوالنا فوجدت الجاهلية قد عادت إلى الجماهير الفارغة من أمتنا فهم بين مقاتلات وثارات لا تنتهي لأنهم ليسوا أصحاب رسالة يحيون لها وينشغلون بها، فلقد أصبحت قلوبهم خربة طُليت بصدأ العداوة ودخان الشحناء ونتن البغضاء وامتلأت سجلاتها بثارات قبلية وأطماع شخصية ورايات عنصرية فتأصلت العداوات المسعورة والسخائم الملتهبة وبئس الزاد للمعاد العدوان على العباد.

إن الإنسانية وهي على شَفا حرب ضروس تكاد تفني العالم كله قد يئست من كل نظرياتها التعسة وفلسفاتها المادية وقنطت من كل أفكارها التي أشاعت الكوارث في كل شبر على وجه البسيطة، لتدرك الآن أنه ليس لها من مخرج من مآزقها وكوارثها واستنقاذا لرقاب بنيها وأرواحهم من الهلاك والفناء تحت ركام المادية الوحشية إلا الارتماء في أحضان الله تعالى معتصمين بالعفو والتسامح والمحبة ومن خلال تلك السمات تعبر البشرية إلى بر الأمان فرحم الله عبداً اقترف فاعترف و وجل فعمل وحاذر فبادر وعُمِّر فاعتمر وأجاب فأناب وراجع فتاب وتزود لحاله وتأهب لسبيله.

فاللهم اجعلنا من المحبين العافين واجعلنا هداة مهديين واسلل سخيمة صدورنا وصلّ على نبي الحب والعفو والتسامح.


المستشار: عادل رفاعي 🌹❤️

تعليقات