شددت الرحال بأجازة الصيف المنصرمة إلي دهب بجنوب سيناء فشهدت من جمال المدينة غير ما يطوف بالأوهام والظنون وأن أنسي فلن أنسي كيف كان هدير البحر يلامس سمعي وقلبي في غفوات الليل ولن أنسي أيضا كيف فرحت يوم وطأت أقدامي أرض الفيروز لأراها للمرة الأولي و أطوف في رحابها حيث أشاء بغير حارس ولا رقيب وما شبعت منها البتة مذ زرتها فعشقي بها هو انتقام من الأيام التي كانت فيها المدينة الجميلة تحت الإحتلال وهي ظروف أشنع من أعمار الأحزان حتي استردتها يد جيش مصر العظيم فعادت إلي أحضان أهلها وقد ارتفع فوق ترابها علم مصر
وقد أمضيت فيها أياما منعمة في بشاشة وأريحية و ود فهي مهد الشهامة والنضارة والجمال وقابلت نخلات باسقات تأنس برؤيتها الأعين حتي خلتها كما ذكر -صديقي الاديب العبقري- فتاه ينتهي الوصف إلي جمالها ثم يقف رأيت الشمس كأنما تجري في شعرها الذهبي وتتوقد في خدها ياقوتا وتسطع في ثغرها لؤلؤة كنت أري الورود التي يزرعها الناس في رياضهم فإذا تأملت شفتيها رأيت ورودا يانعة من تلك التي زرعت في جنان الخلد كانت لها حينا خفة العصفور وحينا كبرياء الطاوس ودائما وداعة الحمامة المستأنسة وكانت روحها عطرة تنفح نفح المسك إذا تشامت الأرواح الغزلة بالحاسة الشعرية التي فطرت عليها وكنت أراها كالفتنة المحتومة المحمومة
(يراجع كتاب السحاب الأحمر لمصطفي صادق الرافعي ص ٢٣) تنبعث إلي آخرها فليس فيها شئ إلا هو يحسن شيئا ويشوق إلي شئ وبعضها يزين بعض (يراجع كتاب السحاب الأحمر للاديب مصطفي صادق الرافعي ص ٢٣)
لكِ قلبي يا سيناء فامنحيني من العطف ما أنسي به كل أحزاني واغفري لي أن أفتحضت في هواك فما يكون تلاقينا إلا ترياقا و بلسما لجرح عتيق تعتادني آلامه بين الفينة والفينة فأنت أرض النبوات ومهبط الرسالات ومهد الأحرار عبر الزمان فترابك مقدس شاهد علي الدهر وأنت نافذة الانتصارات العريقة عبر التاريخ وإن كُشف غطاء التاريخ فسيعلم الجميع أن سيناء أرض مقدسة لن تغرب عنها شمس الحق والجمال ودعوني أذكر أنه ليس الحديث عن الجمال هزلا إنما هو جد صراح فالأمة التي لا تتعشق الجمال لا تستأهل الوجود.
فيا عشاق الجمال تعالوا إلي سيناء الحبيبة الجميلة فهي تؤلف بين قلوب الرجال وتغسل الضغائن وتدفن الأحقاد فقد عذب ماؤها ورق هواؤها تجمع الناس من كل جنس وعرق يحيون بين دفتيها ملحمة رائعة من سلام دافئ حقيقي.
دلفت إلي البحر لابثه أحزاني وخرجت منه ومنها كأنها نسيا منسيا وعشت بين الجبال الراسيات الشوامخ بيضها وأحمرها و أزرقها وغرابيبها السود أحتميت في النهار بظلها الظليل وتمتعت بأطعمتها البدوية ثم سعدت بزيارة بعضها ليلاً لأطل عليها في ضوء الشموع وعلي قرع الطبول البدوية ثم بهرتنا شواطئها والشعب المرجانية الخرافية فائقه الروعة والجمال النارية منها والأسفنجية والرخوة و الصخرية شعب زرق وحمر وصفر وخضر ثم انواع السمك التي يعجز عنها الحصر والتي شاهدتها في تسبيحات دائمة للخالق الأعظم في أروع وأجمل تجلياتها وأبهي صورها وقد تلونت بأثوابها القشيبة وألوانها البديعة فائقة الحسن والجمال بتلوينات مذهلة متفردة في تناغم وذوق رفيع ومحروم من لم يتعرض لنفحات هذه الشعب النادرة والتي أزعم انه لو إجتمعت ريشة ألف فنان فتوحدت لما استطاعت أن تصل إلي تلك الروعة وذلك الإبداع هي بحق ثروة نفيسة متفردة ثمينة فضلا عن الرياضات البحرية والتزلج علي الماء وألعابه ورحلات المراكب الزجاجية التي تكشف بقع الجمال في البحر الأحمر والمراكب الشراعية والسباحة والغطس وان بدهب أشهر مكان للغطس في العالم كله يأتيه الغطاسون من كل بقاع الارض ورحلات السفاري الجبلية بالدراجات والسيارات والألعاب النارية والتنورة وعلي قرع الطبول البدوية تمتد سهراتنا وتلك الحمامات الطبيعية التي أنبتتها يد القدرة الإلهية في إتقان بلغ حد الكمال فصارت مزارات تهفو إليها قلوب العشاق فيتقاطرون عليها لتمسهم نفحاتها زرافات و وحدانا في أحضان الجبال رأيت عجبا رأيت أشجارا خضراء نبتت بين الصخور نضرة يانعة في أمن ودعه فتحيه حب لدهب التي أضحت بحق جنه سيناء ولأهلها ولرمالها وشاطئها وبحرها وسائر معالمها ولجبالها الرواسي وتحية إجلال ومحبة لشهداء الواجب الذين اختلطت دماؤهم الذكية بترابها فداء لها اللهم أعدنا إلي دهب الحبيبة وسيناء المباركة مرات عديدة فإنها جنتك في الأرض .
🌹المستشار : عادل رفاعي 🌹
