في البدء كان الله لا شيء معه
ولم يكن هذا الوجود أجمعا
والله مبقي أمره بقوله 'كن فيكون'
كذا تراءى العالمون
نزل النقاب بهبوط آدم للتراب
وينصر الله تعالى المرسلين
مبشرين ومنذرين
من لدن آدم جاء الأنبياء
بالهدى والنور من وحي السماء
من لدن نوح وإبراهيم
حتى جاء موسى والمسيح
بُعِثوا بالحق بالتوحيد بالإسلام بالدين الصحيح
وبعد عيسى بقرون غور الدجون في مكة أم القرى
وبعدما طال الثرى
لاح نور الفجر في أعلى الذرى
أشرقي شمس الهدى
واستقبلي محمدا
عبثاً أحاول أن أنام، لكن إيقاع العالم المجنون الهمجي يتصاعد في حِدّته وقسوته، حتى أني خلت مياة البحور كأنها عين تبكي على أهل الأرض، وتأملت الجبال فحسبتها هموما ثقيلة مطبقة على صدر الأرض، وفكرت في البراكين فخلتها لوعة أحزانها تثور وتهمد، وقد تداخلت أصوات الثكلى والمحرومين مع أصوات المقهورين والمنسحقين على سطح البسيطة، وبين صرير الأقلام، ونشيش القدر، ورنين الثكلى، وقعقعة الأسلحة وعجيج الرعد وزفير النار، وجلجلة السيوف وصليلها، وأطيط الرجال المثقلين بالهموم، فأينما يممت وجهك لا ترى إلا المكر والخديعة والخيانة، والحوادث المدلهمة، والكوارث المتتابعة، والتآمر الفج على قارعة الخيانات الفاضحة، والهمجية المطلقة في عالم على حافة الهاوية، استحالت فيه المودة عداوة، أفظع من الموت، وأمر من السِقم، وأوحش من زوال النعم، وأقبح من حلول النقم، وأمضى من عقم الرياح، وأضر من الحمق، وأدهى من غلبة العدو، وأشد من الأسر، وأقسي من الصخر، وأبغض من كشف الأستار، وأنأى من الجوزاء، وأصعب من معاناة السماء، وأكبر من رؤية المصاب، وأشنع من خرق العادات، وأفظع من فجأة البلاء، وأبشع من السُم الزُعاف، وما لا يتولد مثله عن الذهول والتراث، وقتل الآباء وسبي الأمهات، وتجتاح الجميع – إلا من رحم ربي– حالة من الجشع والطمع والنذالة، وتسود في الأفق رايات الكراهية السوداء، والأثرة المقيتة، وذكّرني ذلك بما رواه ابن عباس رضي الله عنه فيما رواه إذ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" لو أن لابن آدم ملئ وادٍ من ذهب لأحب أن يكون له إليه مثله، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" (أخرجه البخاري)
ودفعني ذلك إلى الحديث عن أمراض القلوب التي كانت سبباً مباشراً في تلك الكوارث والملمات، إذ أن كل عضو من أعضاء البدن، خُلق لفعل خاص به، كماله في حصول ذلك الفعل منه، ومرضه أن يتعذر عليه الفعل الذي خُلِق له، حتى لا يصدر منه أو يصدر مع نوع من الإضطراب.
فمرض اليد: أن يتعذر عليها البطش،
ومرض العين: أن يتعذر عليها النظر والرؤية
ومرض اللسان: أن يتعذر عليه النطق
ومرض البدن: أن يتعذر عليه حركته الطبيعية أو يضعف عنها،
لكن مرض القلب: أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه، والإنابة إليه، وإيثار ذلك على كل شهوة، فلو عرف العبد كل شيء ولم يعرف ربه الجليل، فكأنه لم يعرف شيئا، ولو نال كل حظٍ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها ولم يظفر بمحبة الخالق العظيم والشوق إليه والأنس به، فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين، بل إذا كان القلب خليا عن ذلك، عادت تلك الحظوظ واللذات عذاباً له، ولابد أن يصير معذبا بنفس ما كان منعما به من جهتين:
من جهة حسرة فوته وأنه حيل بينه وبينه، مع شدة تعلق روحه به، ومن جهة فوت ما هو خير له وأنفع وأدوم، حيث لم يحصل له، فالمحبوب الحاصل فات، والمحبوب الأعظم لم يظفر به، وكل من عرف الله أحبه وأخلص العبادة له، ولم يؤثر عليه شيئاً من المحبوبات، فقلبه مريض، وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه لانشغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق، وعقائده الباطلة، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته
(وما لجرح بميت إيلام)
وتساءلت ماذا إذا شعر المرء بمرض قلبه؟
وأدركت أنه قد يشعر بمرضه ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها، فهو يؤثر بقاء الله على مشقة الدواء، فإن دواءه في مخالفة الهوى، وذلك أصعب شيء على النفس، وليس لها أنفع منه، وتارة يوطن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه، ولا يستمر معه لضعف علمه وبصيرته وصبره، كمن دخل في طريق مخوف مفضٍ إلى غاية الأمن، وهو يعلم إن صبر عليه انقضى الخوف، وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر، وقوة يقين، بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه، رجع إلى الطريق، ولم يتحمل مشقتها، ولا سيما إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة، وجعل يقول:
أين ذهب الناس فلي بهم أسوة؟
وهذه حال أكثر الخلق، وهي التي أهلكتهم، فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق، ولا من فقده إذ استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول، الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فتفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق الطلب.
وتساءلت وما علامات أمراض القلوب؟
وعلمت بعد جَهد جهيد، أن من علامات أمراض القلوب عدولها عن الأغذية النافعة الموافقة لها إلى الأغذية الضارة، وعدولها عن دوائها النافع إلى دوائها الضار، فهناك أربعة أمور:
غذاء نافع ودواء شافٍ وغذاء ضار ودواء مهلك، فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ذلك، وأنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكلٌ منهما فيه الغذاء والدواء.
والتقيت أستاذي الأزهري النابه الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف فسألته عن علامات صحة القلوب؟
قال:
من علامات صحتها أن ترتحل عن الدنيا حتى تنزل بالآخرة، وتحل فيها حتى تبقى كأنها من أهلها وأبنائها،
جاءت إلى هذه الدار غريبة تأخذ منها حاجتها، وتعود إلى أوطانها، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر:
" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعدّ نفسك من أهل القبور" (أخرجه الترمذي ٢٣٣٣)
وأردف أن علياً كرم الله وجهه قال:
"إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل
(أخرجه البخاري)
فلما سألته عن نتائج ذلك؟ قال:
كلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة، وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها.
واستطرد يذكر أن من علامات صحة القلب
١ـ أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ويخبت إليه ويتعلق به تعلق المحب المضطر لمحبوبه، الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به، فبه يطمئن وإليه يسكن وإليه يأوي وبه يفرح وعليه يتوكل وبه يثق وإياه يرجو وله يخاف، فذكره: قوته، وغذاؤه ومحبته والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، فإذا اتصل بربه سكن اليه واطمأن به وزال ذلك الإضطراب والقلق، وانسدت تلك الفاقة، فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله تعالى، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده، فهو يضرب دائماً على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذ يباشر روح الحياة ويذوق طعمها، ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر، الذي له خُلِقَ الخَلق، ولأجله خلقت الجنة والنار، وله أرسلت الرسل، ونزلت الكتب، ولو لم يكن جزاء إلا نفس وجوده، لكفى به جزاء، وكفى بفوته حسرة وعقوبة، فذكرته أن أستاذي كان يردد أن بعض العارفين كانوا يقولون " مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟
قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته، فوالله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته، وذكر أن أبا الحسين الوراق قال:
"حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت والعيش الهني الحياة مع الله تعالى لا غير" .
ولهذا كان الفوت عند العارفين بالله أشد عليهم من الموت، لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق، فكم بين الانقطاعين؟!
ومن قرت عينه بالله تعالى قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تقطع قلبه على الدنيا حسرات.
ثم بادرته بالسؤال عن باقي علامات صحة القلب؟ فقال:
٢ـ أن من علامة صحة القلب أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره، إلا بمن يدله عليه ويذكره به ويذاكره بهذا الأمر
٣- ومن علامات صحته أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألماً أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده
٤ ومن علامات صحته أنه يشتاق إلى الخدمة كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب
٥ـ ومن علامات صحته أنه إذا دخل في الصلاة، ذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه وقرة عينه وسرور قلبه
٦ وأن من علامات صحته أن يكون همه واحداً وأن يكون في الله
٧ـ وأن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعا من أشد الناس شحاً بماله
٨ـ وأن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والإحسان ويشهد مع ذلك منة الله عليه فيه وتقصيره في حق الله.
فلما سألته الخلاصة؟ قال: بالجملة فالقلب الصحيح هو الذي همه كله في الله وحبه كله له وقصده له وبدنه له وأعماله له ونومه له ويقظته له وحديثه له والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه: الخلوة به آثر عنده من الخلطة، إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له، قرة عينه به وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره قرأ:(يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) الفجر ٢٧ : ٢٨".
فرددت عليه: كأنه يردد الخطاب عليها بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه فينصبغ القلب بين يدي معبوده الحق بصبغة العبودية، فتصير العبودية صفة له ذوقاً لا تكلفا، فيأتى بها توددا وتحببا وتقرباً كما يأتي المحب المقيم في محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله، فكلما عرض له أمر من ربه أو نهي، أحس من قلبه ناطقاً ينطق: لبيك وسعديك إني سامعٌ مطيع ممتثل ولك عليّ المنة في ذلك والحمد فيه عائد إليك، وإذا أصابه قدرٌ وجد من قلبه ناطقاً يقول:
( أنا عبدك ومسكينك وفقيرك وأنا العاجز الضعيف وأنت ربي العزيز الرحيم، لا صبر لي إن لم تصبّرني ولا قوة بي إن لم تحملني وتقوني، ولا ملجأ لي منك إلا إليك، ولا مستعانا لي إلا بك، ولا انصراف لي عن بابك، ولا مذهب لي عنك).
فينطرح بمجموعه بين يديه ويعتمد بكليته عليه، فإن أصابه بما يكره قال:
رحمة أهديت إليّ ودواء نافع من طبيب مشفق، وإن صرف عنه ما يحب قال: شراً صُرِف عني
ولله در القائل:
وكم رمت أمرا خرت لي في انصرافه
وما زلت بي مني أبر وأرحما
فكل ما مسه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقا إليه، وانفتح منه بابٌ يدخل منه عليه،
فرد أستاذي الأزهري النابه:
لله هاتيك القلوب وما انطوت عليه من الضمائر وماذا أودعته من الكنوز والذخائر ولله طيب أسرارها ولا سيما يوم تبلى السرائر.
بالله لقد رفع لها علم عظيم، فشمرت إليه واستبان لها صراط مستقيم، فاستقامت عليه ودعاها ما دون مطلوبها الأعلى، فلم تستجب إليه واختارت الله على ما سواه وآثرت ما لديه، ثم ودعني صديقي الأزهري وانصرف.
"يراجع كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان للإمام ابن القيم ص ٧٤ : ٧٩"
فاللهم حققنا بحقائق أهل القرب، واسلك بنا مسالك أهل الحب، ونوّر ظلام دروبنا وقلوبنا بنور هدايتك، وأمددنا بروح من عندك، وانصرنا على أعدائنا وأعدائك، يا أمان الخائفين ويا رجاء السائلين، ويا عون المستغيثين، ويا قاصم الجبارين.
يا من لا تحصى نعمه ولا تحصر مننه ولا تُكَذَب آلاؤه،
أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، الفرد الوِتر، العفو الغفور، العزيز الحكيم، عالم الغيب والشهادة، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ المصور، الكبير المتعال، المقتدر القهار، الحليم الكريم، أهل الثناء والمجد
نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والعصمة من كل ذنب يحجب الدعاء، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم يهتك العصم.
لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً الا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا ضالا إلا هديته، ولا غائباً الا رددته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا حاجة إلا قضيتها ويسرتها يا أكرم الأكرمين.
اللهم إنا نسألك رزقا حلالا به تكفينا وقناعة بها تغنينا وسكينة بها ترضينا وروحا بها تحيينا ونورا به تهدينا وإيمانا به تنجينا وقلوبا عامرة بذكرك تحمينا وتوكلا به ترضينا ويقينا به تقينا وعلما به تعلينا وعملا به تؤوينا ومحبة بها تدنينا وعفوا به تعافينا
ونسألك أن تصل صلاة جلال وأن تسلم سلام كمال على حبيبنا وقرة أعيننا وشفيعنا يوم الزحام، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلينا وعلى من والاه إلى يوم الدين
ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء
المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️
