الحمد لله الذي يخضع لقدرته من يعبد، ولعظمته يخشع من يركع ويسجد، ولطيب مناجاته يسهر العابد ولا يرقد، ولطلب ثوابه يقوم المصلي ويقعد، إذا دخل الدخل في العمل له يفسد، وإذا قُصدت به سوء الخلق يكسد، يُجلّ كلامه عن أن يقال مخلوق ويبعد، جدد التسليم لصفاته مستقيم الجد جد، وكرمه سياح فلا يحتاج أن يقال جُد جُد، من شبه أو عطل لم يرشد، ما جاء في القرآن قبلنا أو في السنة لم نردد، فأما أن تقول في الخالق برأيك فإنك تبرد، أليس اعتقادكم يا أهل الخير، وكيف لا اتفقد العقائد خوفا من الضير.
الحمد لله المتفرد بالعز والجلال، المتفضل بالعطاء والإفضال، مسخر السحاب الثقال، مربي الزرع تربية الأطفال، جل عن مثل ومثال، وتعالى عن حكم الفرد والخيال، قديم لم يزل ولا يزال، يتفضل بالإنعام فإن شُكِر زاد، وإن لم يُشكَر أزال، أحمده على كل حال وأصلي على رسوله محمد أشرف من نطق وقال.
وبعد… فقد شدني ما ورد بقول الله تعالى
(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) البينة ٥
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) الزمر ٢ : ٣".
وقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:
(قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ)
الزمر ١٤ : ١٥
وقوله تعالى له:
(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (١٦٣)
الأنعام ١٦٢ : ١٦٣
وقوله تعالى:
(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) المُلك ٢".
قال الفضيل بن عياض هو أخلصه وأصوبه
فلما سُؤل ما أخلصه وأصوبه؟ قال:
إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل
وإذا كان صوابا ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله والصواب أن يكون على السُنّة، ثم قرأ قوله تعالى:
(فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف ١١٠".
وقال تعالى:
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) النساء ١٢٥".
فإسلام الوجه: إخلاص القصد والعمل لله والإحسان فيه:
متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنته.
وقال تعالى:
(وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) الفرقان ٢٣".
وهي الأعمال التي كانت على غير السنة أو أريد بها غير وجه الله، وهذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم ما فتئ يعلنها في سمع الزمان لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:
(إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددت به خيرا ودرجة ورفعة) أخرجه أحمد في مسنده ١/١٧٦، وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( ثلاث لا يغلُ عليهن قلب مسلم
إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) صحيح أخرجه ابن ماجه حديث ٢٣٠ وأحمد في مسنده ٣/٢٢٥ عن زيد بن ثابت
والمعنى ألا يبقى فيه غل ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك على الغش، وعلى الخروج عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة والأباطيل، فهذه الثلاثة تملؤه غلاً ودغلا.
ودواء هذا الغِل واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنُصح ومتابعة السُنة.
وقد سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل:
يقاتل رياء، ويقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، أي ذلك في سبيل الله ؟
فقال صلى الله عليه وسلم:
(من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) صحيح أخرجه البخاري حديث ١٢٣ ومسلم حديث ١٥٠ من حديث أبي موسى الأشعري.
(وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن أول ثلاثة تسعر بهم النار:
قارئ القرآن والمجاهد والمتصدق بماله، والذين فعلوا ذلك ليقال فلان قارئ فلان شجاع، فلان متصدق، ولم تكن أعمالهم خالصة لله) صحيح أخرجه مسلم حديث ١٥٢ و ١٩٠٥ من حديث أبي هريرة .
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:
( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري، فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء) صحيح أخرجه مسلم حديث ٤٦ عن أبي هريرة.
وفي أثر آخر يقول له يوم القيامة:
اذهب فخذ أجرك ممن عملت له، لا أجر لك عندنا، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال:
(إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم)
صحيح أخرجه مسلم حديث ٣٣ من حديث أبي هريرة.
وقال تعالى في محكم التنزيل:
(لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ) الحج ٣٧".
وفي أثر إلهي
"الإخلاص سر من سري، استودعته قلب من أحببته من عبادي.
وإذ قابلت أستاذي الأزهري النابه، بادرته بالسؤال عن الإخلاص…
فقال: تنوعت عبارات العلماء في الإخلاص والصدق، والقصد واحد فقيل:
١- هو إفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد في الطاعة
٢- وقيل تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين
٣- وقيل التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك، والصدق هو التنقي من مطالعة النفس، فالمخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له، ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق، ولا الصدق إلا بالإخلاص، ولا يتمّان إلا بالصبر.
٤- وقيل من شهد في إخلاصه الإخلاص، احتاج إخلاصه إلى إخلاص، فنقصان كل مخلص في إخلاصه بقدر رؤية إخلاصه، فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص صار مخلصا مخلصاً
٥- وقيل الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرا من باطنه، والصدق في الإخلاص: أن يكون باطنه أعمر من ظاهره
٦- وقيل الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، ومن تزين للناس بما ليس فيه، سقط من عين الله تعالى، فذكرت له أن الفضيل قال:
ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شِرك، والإخلاص: أن يعافيك الله منهما.
كما ذكرت له أن الجنيد قال: " الإخلاص سر بين الله والعبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله.
كما ذكرت أنه قيل لسهل:
أي شيء أشد على النفس ؟
فقال: الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب، وأردفت أن بعضهم قال: الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدا غير الله، ولا مجازياً سواه.
واستطردت أن مكحولا قال: ما أخلص عبد قط أربعين يوما، إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
وأن يوسف بن الحسين قال:
"أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، فكأنه ينبت على لون آخر.
وختمت حديثي بأن أبا سليمان الداراني قال:
"إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء"
فذكر أستاذي أن الإمام الهروي امام أهل التصوف الرائق قال:
الإخلاص تصفية العمل من كل شوب، أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس، إما طلب التزين في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم والهرب من ذمهم أو طلب تعظيمهم أو طلب أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم وقضائهم حوائجه، أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عقد متفرقاتها:
هو إرادة ما سوى الله بعمله كائنا ما كان.
ولما سألته عن درجات ذلك؟
قال هو على ثلاث درجات برأي الإمام الهروي
الدرجة الأولى: هي إخراج رؤية العمل عن العمل، والخلاص من طلب العوض على العمل، والنزول عن الرضا بالعمل، واستطرد يذكر أنه يعرض للعامل في عمله ثلاث آفات:
رؤيته، وملاحظته، وطلب العوض عليه، ورضاه به وسكونه إليه، ففي هذه الدرجة يتخلص من هذه البلية.
فالذي يخلصه من رؤية عمله: مشاهدته لمنة الله عليه، وفضله وتوفيقه له، وأنه بالله لا بنفسه، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو، كما قال الله تعالى:
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) التكوير ٢٩".
فهنا ينفعه شهود الجبر، وإنه آلة محضة، وإن فعله كحركات الأشجار وهبوب الرياح، وأن المحرك له غيره والفاعل فيه سواء، وأنه ميت والميت لا يفعل شيئاً، وأنه لو خلي ونفسه لم يكن من فعله الصالح شيء البتة.
فإن النفس جاهلة ظالمة طبعها الكسل وإيثار الشهوات والبطالة، وهي منبع كل شر ومأوى كل سوء، وما كان هكذا لم يصدر منه خير ولا هو من شأنه، فالخير الذي يصدر منها:
إنما هو من الله وبه لا من العبد ولا به، كما قال تعالى:
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) النور ٢١".
وقال أهل الجنة:
(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا) الأعراف ٤٣".
وقال تعالى:
(وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) الإسراء ٧٤".
وقال:
(وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) الحجرات ٧".
فكل خير في العبد فهو مجرد فضل الله ومنته وإحسانه ونعمته، وهو المحمود عليه، فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة كرؤيته لصفاته الخلقية:
من سمعه وبصره وإدراكه وقوته، بل من صحته وسلامة أعضائه ونحو ذلك فالكل مجرد عطاء الله ونعمته وفضله، فسألته ما الذي يخلص العبد من هذه الآفة؟ قال:
معرفة ربه ومعرفة نفسه، فسألته وما الذي يخلصه من طلب العوض على العمل؟ قال:
علمه أنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضاً ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه وإحسان إليه وانعام عليه لا معاوضة، إذ الأجرة إنما يستحقها الحر أو عبد الغير، فأما عبد نفسه فلا.
فسألته ما الذي يخلصه من رضاه بعمله وسكونه إليه؟ قال:
أمران، أحدهما مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه، وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان، فكل عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل وللنفس فيه حد، وقد سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في صلاته فقال:
(هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) صحيح أخرجه البخاري حديث ٧٥١١ عن أم المؤمنين عائشة.
فإذا كان هذا التفات طرفه أو لحظه فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله؟
هذا أعظم نصيب الشيطان من العبودية.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه:
(لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته، يرى أن حقا عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه) صحيح أخرجه البخاري ٨٥٢".
فجعل هذا القدر اليسير النزر حظا و نصيبا للشيطان من صلاة العبد فما الظن بما فوقه ؟!
وأردف يذكر أن حظ النفس من العمل فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون
الثاني: علمه بما يستحقه الله جل جلاله من حقوق العبودية وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها وأن العبد أضعف وأعجز، وأقل من أن يوفيها حقا، وأن يرضى بها لربه، فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه، ولا يرضي نفسه لله طرفة عين، ويستحي من مقابلة الله بعمله، فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله يحول بينه وبين الرضا بعمله والرضا عن نفسه.
وأضاف أن بعض السلف كان يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة ثم يقبض على لحيته ويهزها ويقول لنفسه:
يا مأوى كل سوء وهل رضيتك لله طرفة عين ؟
وأن بعضهم قال:
آفة العبد رضاه عن نفسه ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها، ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور.
فسألته عن الدرجة الثانية؟ قال:
إن الإمام الهروي ذكر أن الدرجة الثانية هي الخجل من العمل مع بذل المجهود وتوفير الجهد بالاحتماء من الشهود، ورؤية العمل في نور التوفيق من عين الجود، وهي ثلاثة أمور.
الأول: خجله من عمله، وهي شدة حيائه من الله، إذ لم يرى ذلك العمل صالحا له مع بذل مجهوده فيه.
قال تعالى:
(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) المؤمنون ٦٠".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه)
وقال بعضهم إني لأصلي ركعتين فأقوم عنهما بمنزلة السارق أو الزاني الذي يراه الناس حياءً من الله عز وجل.
فالمؤمن جمع إحسانا في مخافة وسوء ظنٍ بنفسه، لكن المغرور حسن الظن بنفسه مع إساءته.
ولما سألته عن توفير الجهد باحتمائه من الشهود ؟
قال:
أن يأتي بجهد الطاقة في تصحيح العمل محتميا عن شهوده منك وبك، فلما سألته عن الاحتماء بنور التوفيق؟ قال:
الذي ينور الله به بصيرة العبد، فترى في ضوء ذلك النور أن عملك من عين جوده لا بك ولا منك، وختم بأن هذه الدرجة اشتملت على خمسة أشياء:
١ عمل
٢ واجتهاد فيه
٣ خجل وحياء من الله عز وجل
٤ صيانة عن شهوده منك
٥ رؤيته من عين جود الله سبحانه ومنه
فلما سألته عن الدرجة الثالثة؟ قال:
إخلاص العمل بالخلاص من العمل تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدا للحكم، حرا من رق الرسم، فلما سألته عن معنى أن تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدا للحكم؟
قال: إن الشيخ فسر مراده بأنك تجعل تابعا لعلم، موافقا له، مؤتماً به، تسير بسيره وتقف بوقوفه وتتحرك بحركته، نازلا منازله، مرتويا من موارده، ناظرا إلى الحكم الديني الأمري، متقيدا به، فعلاً وتركاً وطلباً وهرباً، ناظراً إلى ترتب الثواب والعقاب عليه سببا وكسبا، ومع ذلك تسير أنت بقلبك مشاهدا للحكم الكوني القضائي الذي تنطوي فيه الأسباب والمسببات والحركات والسكنات ولا يبقى هناك غير محض المشيئة وتفرد الرب وحده بالأفعال، ومصدرها عن إرادته ومشيئته، فيكون قائما بالأمر والنهي، فعلا وتركا، سائرا بسيره، وبالقضاء والقدر، إيماناً وشهودا وحقيقة، فهو ناظر إلى الحقيقة قائم بالشريعة.
وهذان الأمران هما عبودية هاتين الآيتين:
(لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) التكوير ٢٨ : ٢٩".
وقال تعالى:
(إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) الإنسان ٢٩ : ٣٠".
فترك العمل يسير سير العلم، مشهد:
لمن شاء منكم أن يستقيم)
(وسير صاحبه مشاهدا للحكم، مشهد:
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رب العالمين)
فلما سألته عن معنى قول الإمام الحرية من رق الرسم؟
قال: الحرية التي يشيرون إليها هي عدم الدخول تحت عبودية الخلق والنفس والدخول تحت رق عبودية الحق وحده.
ومرادهم بالرسم ما سوى الله، فكله رسوم، فإن الرسوم هي الآثار، ورسوم المنازل والديار هي الآثار التي تبقى بعد سكانها والمخلوقات بأثرها في منزل الحقيقة ورسوم وآثار القدرة، أي فتخلص نفسك من عبودية كل ما سوى الله وتكون بقلبك مع القادر الحق وحده، لا مع آثار قدرته التي هي رسوم، فلا تشتغل بغيره لتشغلها بعبوديته، ولا تطلب بعبوديتك له حالا ولا مقاما ولا مكاشفة ولا شيئاً سواه، فهذه أربعة أمور: بذل الجهد وتحكيم العلم، والنظر إلى الحقيقة والتخلص من الالتفات إلى غيره.
فلما سألته عن الإخلاص والصدق؟ قال:
الإخلاص عدم انقسام المطلوب والصدق عدم انقسام الطلب، فحقيقة الإخلاص: توحيد المطلوب وحقيقة الصدق: توحيد الطلب والإرادة، ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة.
فهذه الأركان الثلاثة هي أركان السير وأصول الطريق التي لم يبن عليها سلوكه، وسيره فهو مقطوع، وإن ظن أنه سائر، فسيره اما إلى عكس جهة مقصوده، وإما سير المقعد والمقيد، وإما سير صاحب الدابة الجموح، كلما مشت خطوة إلى الأمام رجعت عشرة إلى الخلف، فإن عدم الإخلاص والمتابعة:
انعكس سيره إلى خلف، وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه سار سير المقعد، وإن اجتمعت له الثلاثة:
فذلك الذي لا يجار في مضمار سيره،
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ثم انصرف أستاذي راشدا بعد أن افاض عليّ من علمه ط، فجزاه الله عنا خير الجزاء.
"يراجع كتاب مدارج السالكين للعلامة ابن القيم الجزء الأوّل"
فاللهم أحسن خواتيمنا وأحسن أعمالنا وأقوالنا ونياتنا واجعلها خالصة لوجهك، وأصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور بإذنك واهدنا إلى صراطك المستقيم وألهمنا رشدنا وألزمنا كلمة التقوى واهدنا إلى أحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل وكن لنا وليا ونصيرا وكن لنا معيناً ومجيرا
اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء ونعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك ونسألك لبلادنا النصر والرفعة والوحدة والاعتصام بحبلك.
اللهم احفظ جيشنا وأمننا واجعل مصر في أمانك وحرزك وضمانك واحفظها وأهلها من كل مكروه وسوء وغير ما بأنفسنا وحول حالنا من الضعف إلى القوة ومن العسر إلى اليسر ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الخوف إلى الأمن ومن الذلة إلى العزة ومن الهزيمة إلى النصر ومن الفرقة إلى الوحدة ومن الغي إلى الرشاد ومن الضلال إلى الهدى ومن الانحراف إلى الاستقامة أنت ولي ذلك والقادر عليه
ونسألك أن تصلي على حبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى من والاه إلى يوم الدين
ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء
المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️
