بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد جاء الكثير عن أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في محيط التشريع من قول أو فعل أو تقرير لأمر رآه، وبلغه عمن يكون مطيعا منقادا في ظاهر حاله لما جاء به صلى الله عليه وسلم وهي على هذا المعنى إنما تكون فيما تناولته سيرته وطريقته في حياته صلى الله عليه وسلم مما كان له فيه إختيار بين أمرين أو أكثر، فإختار ما رآه أنه الأفضل، ولا تكون فيما كان يأتيه صلى الله عليه وسلم بطبيعته وإنسانيته، مما لا إختيار له فيه، ولا يختص به دون سائر الناس بل يشاركه فيه جميع الناس لأنه من مقومات الحياة وضروريات الوجود ولا اختيار فيه للبشر، كالأكل، والشرب، والنوم، واللبس، ونحو ذلك، أما ما يتعلق بتلك الأعمال ويتصل بها من كيفيات وأوضاع، ووسائل ونحو ذلك، فإنه يعد من سنته صلى الله عليه وسلم ويتناوله اسم السنة بالمعنى الذي نريد لأن له فيه اختيارا، كان من آثاره تفضيل وضع على وضع.
وإقدام على ما هو الأفضل والأنفع، فجاز أن يكون في ذلك إرشاد وهداية وتشريع، وعند ذلك يكون سنة تشريعية، كما يحتمل أن يكون ذلك قد حدث بحكم العادة الجارية والإلف المرغوب، والميل الوقتي، انقيادا للظروف والملابسات، مما يبعده عن أن يكون من قبيل الإرشاد والهداية والسنة التشريعية، وإنما يعرف ذلك بالنظر والاجتهاد ولذا فإنا نريد بالسنة هنا ما صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هداية للناس وشريعة لهم، فلا تتناول إلا ما أوحي به إليه، مما ليس بقرآن، أو وصل إليه بنظره وعرفه باستنباطه، فأقره الله عليه، وجماع ذلك ما جاء به صلى الله عليه وسلم بيانا لعقيدة، أو تعليما لعبادة، أو إرشاد إلى قربة، أو تهذيبا لخلق، أو إصلاحا لمعاملة، أو أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر، أو إبعادا عن فساد، أو تحذيرا من سوء.
فكل ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم في هذه النواحي يعد سنة وشريعة يطلب إلى الناس اتباعها، أما ما لا يتصل بذلك فلا يعد شريعة يطلب إلى الناس اتباعها، وإن عدّ من السنة بمعناها العام ذلك لأنه إنما صدر منه صلى الله عليه وسلم على أنه من الأقوال أو الأعمال العادية المتكررة المباحة التي تدعو إليها حاجة البشر، ولقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إنسان يخاطب عقول البشر ويعلم جيدا طبيعة الإنسان الحيوانية، وعاداته المعيشية، وعلى ذلك فإذا ما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لزراعة الأرض، وطرق إستثمارها لبيان ما أحله الله تعالى من ذلك، وما يترتب عليه من حقوق وآثار، كان ذلك شريعة واجبة الاتباع، وإن عرض لذلك مبينا كيفية الزراعة وطريقة الغرس، والقيام على إصلاح الزرع والشجر وطرائق ريه ومواعيده، مما يعرف بطريق التجربة والخبرة، كان بيانه هذا إرشادا تجريبيا.
ورأيا استنبطه من وسطه، يصيب فيه ويخطئ كغيره من الناس، ولا يعد شيء من ذلك شريعة تتبع، وإذا أخطأ فيه لم ينبهه الوحي إلى خطئه، يدل على ذلك ما أخرجه مسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يأبرون النخل، فقال ما تصنعون؟ قالوا كنا نصنعه، فقال " لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا" فتركوه فنفضت، فذكروا له ذلك، فقال " إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر" وما أخرجه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال " لو لم تفعلوا لصلح " قال فخرج شيصا، فمر بهم فقال " ما لنخلكم؟" قالوا قلت كذا وكذا، قال "أنتم أعلم بأمر دنياكم" وفي رواية عن طلحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الذي أشار به صلى الله عليه وسلم في أمر إلقاح النخل.
" إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله" ومدلول هذه الروايات الثلاث أن ما يحدث به صلى الله عليه وسلم عن ربه فذلك هو الدين الذي يجب اتباعه طاعة لله، أما ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بأمور الدنيا فرأي يرتئيه، وظن دفعه إليه حدسه، وملاحظته واستنتاجه، فهو كسائر البشر يصيب ويخطئ، وقد يكون غيره فيه أكثر تجربة، وأقوى اتصالا وأعظم خبرة، فيكون في رأيه أقر إصابة، ومن ذلك أن يشير بخطة حربية أو ينزل بجيشه منزلا يرى في النزول به المكيدة والحرب، فإن رأيه هذا لا يكون له من وجوب الطاعة إلا ما لرأي غيره من الأمراء والقادة المحاربين الذي يصدرون في ذلك عن نظر وموازنة، فيصيبون مرة ويخطئون أخرى، ولا يكون دينا أوحي به إليه،
ويدل على ذلك متابعته صلى الله عليه وسلم لما رآه الحباب بن المنذر حين أشار عليه بأن ينزل على أدنى ماء من بدر، بدلا عن نزوله حيث نزل في غزوة بدر، فقال له يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال له صلى الله عليه وسلم"بل هو الرأى والحرب والمكيدة" فقال الحباب ليس هذا لك بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فإني أعرف غزارته وصفاءه، فننزل ونغور ما عداه من الآبار ثم نبني حوضا، فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون، فقال صلى الله عليه وسلم " لقد أشرت بالرأي "
