اعلموا يا عباد الله أن من الرحلات العظيمة التي حدثت في الحياة هى رحلة ذي القرنين إلى المغرب والمشرق، فيقول تعالى " حتى إذا بلغ مغرب الشمس" وهى نهاية الأرض من جهة المغرب، ولكن هل لها نهاية من جهة المغرب؟ فقيل نعم اليابسة التي بعدها محيط، نهاية اليابسة التي بعدها المحيط من جهة الغرب، هذه النهاية هنا في هذا المكان لما نظر في تلك الجهة، وصل إلى أقصى اليابسة من الجهة التي ما وراءها إلا الماء، ونظر في البحر وجد " الشمس تغرب فى عين حمئة" أى حامية، وحمئة قراءتان فمعنى كلمة حمئة كثيرة الحمئة وهو الطين الأسود، وكذلك فإننا نقول أيضا إن هذا الغروب للشمس في العين الحمئة في نظر العين البشرية، يعني العين البشرية ترى الشمس تنزل في الماء إذا غربت، لكن هي في الحقيقة لا تنزل في البحر، لكن إذا نظرت إليها وهي تغرب في جهة البحر يتراءى لك أنها تنزل في الماء، فهذا معنى.
" وجدها تغرب فى عين حمئة" يعني فيما يتبادر للعيان، فيما يراه الشخص في المشاهدة البشرية في عينه المجردة، سيراها كأنها تغييب في الماء، ويقول الله سبحانه وتعالى " ووجد عندها قوما" أي وجد ذو القرنين في تلك الجهة من أقصى المغرب إمام للعين، كانوا كفارا فخيره الله بين أن يعذبهم وبين أن يتركهم، فقال تعالى " إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا" بمعنى عذبهم بالقتل إن أردت، أو اتخذ فيهم أمرا حسنا بدعوتهم إلى الحق، وتعليمهم الشرائع، فاختار ذو القرنين دعوتهم إلى الله، لكن الذي يتمرد، فقال تعالى " أما من ظلم فسوف نعذبه" بالقتل في الدنيا " ثم يرد إبى ربه فيعذبه" أى فى الآخرة " عذابا نكرا" أى بمعنى منكرا فظيعا بنار جهنم، فقال تعالى " ووجد عندها قوما" وهى أمة من أمم الأرض العظيمة، وكان الله قد مكنه فيهم، وحكمه فيهم، وأظفره عليهم، وخيره بين أن يقتل ويسبي، أو يمن ويفدي.
فاختار الدعوة بالحسنى أولا، لكن الذي لا يستجيب سيكون مصيره القتل" وأما من آمن " أى بمعنى تابعنا على الدعوة، ودخل في الدين، ووحد الله عبده لا شريك " له جزاء الحسنى " أى الدار الآخرة بدخول الجنة " وسنقول له من أمرنا يسرا" وبالنسبة لنا في الدنيا معروفا وهذا يدل على أن ذا القرنين كان ملكا، عادلا، صالحا، مؤمنا بالبعث والحساب والجزاء، وأنه يعرف بأن القضية عند الله في النهاية عذاب أو نعيم، وهذا معناه أنه يسعى في مرضاة ربه، فيقول تعالى " ثم اتبع سببا، حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا" وهم قوم متخلفين جدا ما عندهم لا بيوت تقيهم من الشمس، ولا ملابس، عراة وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا، فليس عندهم أي تمدن، فيقول تعالى " ثم اتبع سببا، حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا"
وهم قوم متخلفين جدا ما عندهم لا بيوت تقيهم من الشمس، ولا ملابس، عراة، وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا، فليس عندهم أي تمدن، لا يعرفون البيوت، ولا صناعة الملابس، كذلك معناه " ثم أتبع سببا" كذلك " حتى إذا بلغ مطلع الشمس" فهو إذن أتبع سببا حتى بلغ مطلع الشمس، كما أتبع سببا حتى بلغ مغربها، فيقول تعالى " وقد أحطنا بما لديه خبرا" أى أحطنا بما عند مطلع الشمس علما، لا يخفى علينا علما بالخلق وأحوالهم، والناس الموجودين هناك، والأمم وأنواع البشر، ويقول تعالى " حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا" فهنا أتبع ذى القرنين طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب، لا هو في الشرق، ولا في الغرب، لا في أقصى الشرق ولا في أقصى الغرب، حتى بلغ الجبلين العظيمين اللذين سد ما بينهما " وجد من دونهما"
أى من وراء هذين الجبلين أمة " لا يكادون يفقهون قولا" أى عندهم قلة فطنة، وقلة حيلة، وقلة تدبير، فهى لغة غريبة أمة مجهولة، قالوا يا ذا القرنين" فهم اشتكوا إليه شكوا حالهم " إن يأجوج ومأجوج مفسدون فى الإرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا، قال ما مكنى فيه ربى خير فأعيونونى بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما" فلما بلغ هذين الجبلين المتناوحين، بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على هذه البلاد فيعيثون فيها فسادا، يهلكون حرثهم ونسلهم.
