بينما أنا بين النائم واليقظان في الهزيع الأخير من الليل، من ليلة من أجمل ليالي رمضان، إذا برحال أحلامي تحط في عالم البرزخ، حيث أستاذي الذي زارني، فإذا هو وضيئ الوجه، منور الجبين، وقد أقبل عليّ فرحاً متهللاً، مهنئاً برمضان مستبشرا فيه بالعتق من النيران والفوز بعظيم الجنان، فلما سألته عن القلوب، قال:
إذا صح القلب وكان مع الله، يعزف سيمفونية رائعة الأنغام في خشوع وتبتل وتراتيلاً مخبتة، وتسبيحات رائعة، وأهازيج جميلة، وأناشيد المحبة والرضوان، فإذا هي نجائب النجاة للقلوب والأرواح، فمصابيح القلوب الطاهرة في أصل الفطرة منيرة (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) النور ٣٥".
فنور الحق أضوء في القلوب من الشمس، ويحق لخفافيش البصائر أن تعشو عنه، فطريق الله خالٍ من أهل الشك والمُظلِمة قلوبهم ومن الذين يتبعون الشهوات، وهو معمور بأهل اليقين والصبر، وهم على الطريق كالأعلام، وإذا فسدت القلوب لا تسمع إلا هراء وترهات وأكاذيب وافتراءت وقبحاً، فالقلوب إذا أظلمت تعزف ألحان القبح والفساد، ولا تسمع منها إلا ضجيجا يصم الآذان ومزامير الشيطان المتهتكة، التي تحيي الشهوات والغرائز وتطلق لها العنان وتشجع على الفسق والفجور، وتكتب به من الندم سطور الحزن وترسلها مع أنفاس الأسف، حتى يقع تابعوها في بيداء الحسرات، إذ يبيع نفسه بهوى خبيث، بثمن بخس، كأنه لم يعرف قدر السلعة ولا خسة الثمن.
فلما سألته المزيد؟؟ قال:
ما ضُرِب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، والبعد عن الله، فقد خُلِقت النار لإذابة القلوب القاسية، فإن أبعد القلوب من الله، القلب القاسي، فإذا قسا القلب قحطت العين، فلما سألته عن أسباب قسوة القلوب؟؟ قال:
قسوة القلوب من أربعة أشياء، إذا تجاوزت القدر الحاجة، الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة.
وأردف يقول : فكما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجح فيه المواعظ، ومن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، فالقلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، وأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها.
شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله وبالدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد، وإذا غُذّي القلب بالتذكر، وسُقيّ بالتفكر، ونُقّيَّ من الدغل، رأى العجائب وأُلهِم الحكمة.
وليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى. وأما من قتل قلبه فأحيا الهوى، فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه، وخراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر، وإذا زهدت القلوب في موائد الدنيا، قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد.
الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب، يروح عنه وهج الدنيا، فمن وطن قلبه عند ربه سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق، فإن محبة الله لا تدخل في قلب فيه حب الدنيا، إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة، فإن الله إذا أحب عبداً اصطفاه لنفسه واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته، انشغل همه به ولسانه بذكره وجوارحه بخدمته.
فسألته وهل تصدأ القلوب؟؟قال:
بلى، فالقلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة والحِمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة، فلما سألته عن جلائه؟
قال: جلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم، وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة، ونظرإليّ محذراً، يقول:
إياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلا، ولأيامك وأنفاسك أمدا، ومن كل ما سواه ولابد لك منه، فلما سألته عن الدواء الناجع؟
قال: من ترك الإختيار والتدبير في طلب زيادة دنيا أو جاهٍ أو خوف نقصان، أو في التخلص من عدو، توكلا على الله وثقة في تدبيره له وحسن اختياره، فألقى كنفه بين يديه وسلم الأمر إليه ورضي بما يقضيه له، استراح من الهموم والغموم والأحزان، ومن أبى إلا تدبيره لنفسه وقع في النكد والنصب وسوء الحال والتعب، فلا عيش يصفو، ولا قلب يفرح، ولا عمل يزكو، ولا أمل يقوم، ولا راحة تدوم.
والله سبحانه سهّلّ لخلقه السبيل إليه بتدبيره، فمن رضي بتدبير الله له، وسكن إلى اختياره،وسلم لحكمه، أزال ذلك الحجاب، فأفضى القلب إلى ربه، واطمأن إليه وسكن، فالمتوكل لا يسأل غير الله ومن ترك شيئا من مألوفاته وعوائده التي تسبب صدأ القلوب صادقاً مخلصاً، فلن يجد مشقة إلا في أول وهلة، فإن صبر عليها، استحالت لذة
"فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه" أخرجه أحمد ٥/٣٦٠".
واستطرد أن العوض أنواع مختلفة، وأجلّ ما يعوض به الأُنس بالله ومحبته وطمأنينة القلب به، وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه تبارك وتعالى، فمن شُغِل بنفسه شُغِل عن غيره، ومن شُغِل بربه شُغِل عن نفسه فأعطاه الله وأغناه وكفاه.
ولما سألته عن الشكوى للناس دون الله تعالى؟؟ قال:
الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه، فإنه لو عرف ربه لما شكاه، ولو عرف الناس ما شكى إليهم، وقد رأى بعض السلف رجلاً يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: يا هذا والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك، إلى من لا يرحمك، وفي ذلك قيل:
وإذا شكوت إلى أبعد آدم إنما
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمُ
والعارف إنما يشكو إلى الله وحده، وأعرف العارفين من جعل شكواه إلى الله من نفسه، لا من الناس، فهو يشكو من موجبات تسليط الناس عليه، فهو ناظر إلى قوله تعالى:
(وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) الشورى ٣٠".
وقوله تعالى:
(ما أصابك من سيئة فمن نفسك) النساء ٧٩".
وقوله تعالى:
(أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) آل عمران ١٦٥".
وهنا ذكّرت أستاذي بأنه ظل يكتم مرضه بداء عُضال، حتى عن أقرب الناس إليه، ولما علمت قدراً من طبيبه المعالج وسألته عن سبب اخفاء مرضه، قال أنا لا أريد أن أشكو ربي للعباد.
فسألته عن مراتب الشكوى؟ قال:
١ـ أخسها أن تشكو الله إلى خلقه
٢ـ أعلاها أن تشكو نفسك إليه
٣ـ أوسطها أن تشكو خلقه إليه.
فلما سألته عن فائدة الأمر؟ قال:
الإخلاص دواء ناجع وهو ما لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا عدو فيفسده، ولا يعجب به صاحبه فيبطل.
وأردف أن الرضا مع الإخلاص أعظم دواء، فسكون القلب تحت مجاري الأحكام، هو منتهى الرضا، فالناس في الدنيا معذبون على قدر هممهم بها.
فلما سألته عن مواطن القلب؟ قال:
للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها،ثلاثة سافلة وثلاثة عالية، فالسافلة دنيا تتزين له، ونفسٌ تحدثه، وعدو يوسوس له، فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها، والثلاثة العالية، علم يتبين له، وعقل يرشده، وإله يعبده، والقلوب جوالة في هذه المواطن.
فلما سألته عن أصل فساد القلوب؟ قال:
اتباع الهوى وطول الأمل مادة كل فساد، فإن اتباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدا، وطول الأمل ينسي الآخرة ويصد عن الإستعداد لها،
فلما سألته عن السبيل؟ قال:
لا يشم عبدٌ رائحة الصدق ويداهن نفسه، أو يداهن غيره وإذا أراد الله بعبد خيراً، جعله معترفاً بذنبه، ممسكاً عن ذنب غيره، جواداً بما عنده، زاهداً فيما عند غيره، محتملاً لأذى غيره، وإذا أراد شيئاً عكس ذلك عليه، فالهمة العلية لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء، تعرف الصفة من الصفات العُليا، وتزداد بمعرفتها محبة وإرادة وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكراً وطاعة، وتذكر الذنب تزداد بتذكره توبة وخشية، فإذا تعلقت الهمة بسوى ذلك، جالت في أودية الوساوس والخطرات.
فسألته عن عشق الدنيا؟ قال:
من عشق الدنيا نظرت إلى قدرها عنده، فصيرته من خدمها وعبيدها وأذلته وأذاقته الرغام، ومن أعرض عنها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وزلت له وانصاعت، وأضاف إنما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادة وسير الله، فإذا حاد المسافر عن الطريق، ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟!
فلما سألته عن سبيل الخلاص من ذلك العشق؟ قال:
سبحان الله،
في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان، وهوى بلعام، وحيل أصحاب السبت، وتمرد الوليد، وجهل أبي جهل.
وفيها من أخلاق البهائم:
حرص الغراب، وشره الكلب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجُعل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وفسق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفة الفراش، ولؤم الضبع،
غير أن الرياضة والمجاهدة تذهب ذلك كله، فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجُند ولا تصلح سلعته لعقد:
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) التوبة ١١١".
فخرجت من طبعها إلى بلد سكناه التائبون العابدون، فسلم المبيع قبل أن يتلف في يدك، فلا يقبله المشتري، قد علم المشتري بعيب السلعة قبل أن يشتريها، فسلمها ولك الأمان من الرد، قدر السلعة يعرف بقدر مشتريها، والثمن المبذول فيها، والمنادى عليها، فإذا كان المشتري عظيما، والثمن خطيرا، والمنادي جليلا كانت السلعة نفيسة.
لله ما أحلى زماناً تسعى فيه أقدام الطاعة على أرض الاشتياق، لما سلم النفوس إلى رائض الشرع، علمها الوفاق على خلاف الطبع، فاستقامت مع الطاعة كيف دارت، دارت معها.
فلما سألته عن تدبير المرء لنفسه؟ قال:
من ترك الإختيار والتدبير رجاء زيادة أو خوف نقصان أو طلب صحة أو فراراً من سِقم، وعلم أن الله على كل شيء قدير، وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير، وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه، وأنه أعلم بمصلحته من العبد، وأقدر على جلبها وتحصيلها منه، وأنصح من العبد منه لنفسه، وأرحم به منه بنفسه، وأبر به منه لنفسه، وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة واحدة، ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة، فلا متقدم له بين يدي قضائه وقدره ولا متأخر، فألقى نفسه بين يديه وسلم الأمر كله إليه، وانطرح بين يديه انطراح عبد مملوك ضعيف، بين يدي ملك عزيز قاهر، له التصرف في عبده بكل ما يشاء، وليس للعبد التصرف فيه بوجه من الوجوه، فاستراح حينئذ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات وحمل كَلّه وحوائجه ومصالحه من لا يبالي بحملها، ولا يثقله ولا يكترث بها، فتولاها دونه، وأراه لطفه وبره، ورحمته وإحسانه، فيها من غير تعب من العبد ولا نصب ولا اهتمام منه، لأنه قد صرف اهتمامه كله إليه وجعله وحده همه ، فصرف عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه، وفرغ قلبه منها، فما أطيب عيشه، وما أنعم قلبه وأعظم سروره وفرحه.
فسألته إن أبى إلا تدبيره لنفسه؟ قال:
إن أبى إلا تدبيره لنفسه واختياره لها واهتمامه بحظه دون حق ربه خلاه وما اختاره، وولاه ما تولى فحضره الهم والغم والحزن والنكد والخوف، وكسف البال وسوء الحال، فلا قلب يصفو، ولا عمل يزكو، ولا أمل يحصل، ولا راحة يفوز بها، ولا لذة يهنأ بها، بل قد حيل بينه وبين مسرته وفرحه وقرة عينه، فهو يكدح في الدنيا كدح الوحوش، ولا يظفر منها بأمل، ولا يتزود منها لمعاد، والله سبحانه وتعالى قد أمر العبد بأمر وضمنه له ضماناً، فإذا قام بأمره بالنصح والصدق والإخلاص والاجتهاد، قام الله سبحانه بما ضمنه الله له من الرزق والكفاية والنصر وقضاء الحوائج، فإنه سبحانه ضمن الرزق لمن عبده، والنصر لمن توكل عليه واستنصر به، والكفاية لمن كان هو همه ومراده، والمغفرة لمن استغفره، وقضاء الحوائج لمن صدقه في طلبها، وقوي رجاؤه وطمعه في فضله وجوده، فالفطن الكيس إنما يهتم بأمره وإقامته وتوفيقه لا بأمانه، فإنه الوفي الصادق، ومن أوفى بعهده من الله ؟!
فمن علامات السعادة صرف اهتمامه إلى أمر الله دون ضمانه ومن علامات الحرمان فراغ قلبه من الاهتمام بأمره وحبه وخشيته والإهتمام بضمانه.
ولما سألته عن الرجاء وحسن الظن بالله؟؟ ختم حواره معي بقوله:
من اشتغل بالله عن نفسه كفاه الله مئونة نفسه، ومن اشتغل بالله عن الناس، كفاه الله مئونة الناس، ومن اشتغل بنفسه عن الله وكله إلى نفسه، ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله إليهم، وأردف أن حسن الظن بالله تعالى هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل، حسن ظنه بربه، أنه يجازيه على أعماله، ويثيبه عليها، ويتقبلها منه، فكلما حسن ظنه بربه، حسن عمله، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز، ففي الحديث الشريف:
" الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله" رواه أحمد ٤/١٢٤".
واختتم أقواله بأن حسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاح وأن مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن، فحسن الظن يقع ممن تاب وندم وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، ثم أحسن الظن بعدها، فرجاء المرء لرحمة من لا يطيعه من الخذلان والحمق.
"يراجع كتاب الفوائد للإمام ابن القيم ص ٩٩ و ١١٠ و ١١١ و ١١٩ و ١٢٩"
وانصرف أستاذي رحمة الله عليه بعد أن رفع يديه وقال:
اللهم انك تعلم سرنا وعلانيتنا فاقبل معذرتنا، وتعلم حاجتنا فاعطنا سؤلنا، وتعلم ما بأنفسنا فاغفر لنا ذنوبنا، اللهم إنا نسألك إيمانا يباشر قلوبنا، ويقيناً صادقا حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبته علينا، والرضا بما قسمته يا ذا الجلال والإكرام.
ونسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار ومن خزي النار ومن عذاب النار ومن كل قولٍ أو فعلٍ يقربنا إلى النار ونسألك أن تصل على حبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين
ما هبت النسائم و ما ناحت على الأيك الحمائم
ما طلعت شمس النهار و ما قد شعشع القمر
ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر
ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء
المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️
