إن أعظم حدث في العصر الحديث إنما هو نصر أكتوبر المجيد الذي وقع في العاشر من رمضان السادس من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعون ميلادي، حيث التقى المصريون مع عدوهم الغاشم على أرض سيناء الحبيبة، فهزم الجيش المصري العظيم هذا المحتل، وأبطل مقولته التي طالما تغنى بها "الجيش الذي لا يقهر" واستردوا أرضهم، وحموا عرضهم، ورفعوا راية بلادهم عالية خفاقة، فاتقوا الله يرحمكم الله، وابذلوا الفضل والمعروف، بوجه طلق وقصد حسن، تستقم الأحوال، وتتنزل البركات، ويحل التوفيق، أما بعد ﻓإن ﻜﻞ ﺧﻄﻴﺌﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺃﺻﻠﻬﺎ ﺣﺐ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﻻ تنسى ﺧﻄﻴﺌﺔ ﺍﻷﺑﻮﻳﻦ ﻗﺪﻳﻤﺎ ﺇﻧﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺳﺒﺒﻬﺎ ﺣﺐ ﺍﻟﺨﻠﻮﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﻻ ﺗﻨﺲ ﺫﻧﺐ ﺇﺑﻠﻴﺲ، ﻭﺳﺒﺒﻪ ﺣﺐ ﺍﻟﺮﻳﺎﺳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﺤﺒﺘﻬﺎ ﺷﺮّ ﻣﻦ ﻣﺤﺒﺔ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﺑﺴﺒﺒﻬﺎ ﻛﻔﺮ ﻓﺮﻋﻮﻥ ﻭﻫﺎﻣﺎﻥ ﻭﺟﻨﻮﺩﻫﻤﺎ، ﻭﺃﺑﻮ ﺟﻬﻞ ﻭﻗﻮﻣﻪ ﻭﺍﻟﻴﻬﻮﺩ.
ﻓﺤﺐ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺍﻟﺮﻳﺎﺳﺔ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﻤَّﺮ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﺑﺄﻫﻠﻬﺎ، ﻭﺍﻟﺰﻫﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﺍﻟﺰﻫﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﻳﺎﺳﺔ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﻤَّﺮ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﺑﺄﻫﻠﻬﺎ، ﻭﺍﻟﺴﻜﺮ ﺑﺤﺐ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻜﺮ ﺑﺸﺮﺏ ﺍﻟﺨﻤﺮ ﺑﻜﺜﻴﺮ، وإن ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺟُﻬﺎل ﻋﻤﻮﺍ ﺍﻟﺒﺼﺎﺋﺮ عن الدنيا الفانية، ﻟﻢ ﻳﻨﻈﺮﻭﺍ ﻓﻲ ﺃﻣﺮﻫﺎ ﻭﻟﻢ ﻳﻜﺸﻔﻮﺍ ﺳﻮﺀ ﺣﺎﻟﻬﺎ ﻭﻣﺂﻟﻬﺎ، ﺩﺭﺟﺖ ﻟﻬﻢ ﺑﺰﻳﻨﺘﻬﺎ ﻓﻔﺘﻨﺘﻬﻢ ﻓﺈﻟﻴﻬﺎ ﺃﺧﻠﺪﻭﺍ ﻭﺑﻬﺎ ﺭﺿﻮﺍ ﻭﻟﻬﺎ ﺍﻃﻤﺄﻧﻮﺍ ﺣﺘﻰ ﺃﻟﻬﺘﻬﻢ ﻋﻦ ﺍلله عز وجل، ﻭﺷﻐﻠﺘﻬﻢ ﻋﻦ ﺫﻛﺮ الله ﻭﻃﺎﻋﺘﻪ، ﺇﻧﻬﻢ ﻧﺴﻮﺍ ﺍلله ﻭﺃﻫﻤﻠﻮﺍ ﺣﻘﻮﻗﻪ، ﻭﻣﺎ قدرﻭﻩ ﺣﻖ ﻗﺪﺭﻩ، ﻭﻟﻢ ﻳﺮﺍﻋﻮﺍ ﻻﻧﻬﻤﺎﻛﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺗﻬﺎﻟﻜﻬﻢ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻮﺍﺟﺐ ﺃﻭﺍﻣﺮﻩ ﻭﻧﻮﺍﻫﻴﻪ ﺣﻖ ﺭﻋﺎﻳﺘﻬﺎ ﻓﺄﻧﺴﺎﻫﻢ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ، ﺃﻧﺴﺎﻫﻢ ﻣﺼﺎﻟﺤﻬﻢ ﻭﺃﻏﻔﻠﻬﻢ ﻋﻦ ﻣﻨﺎﻓﻌﻬﺎ ﻭﻓﻮﺍﺋﺪﻫﺎ ﻓﺼﺎﺭ ﺃﻣﺮﻫﻢ ﻓﺮﻃﺎ، ﻓﺮﺟﻌﻮﺍ ﺑﺨﺴﺎﺭﺓ ﺍﻟﺪﺍﺭﻳﻦ، فقد ﺃﻗﺎﻣﻮﺍ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻓﻬﺪﻣﺘﻬﻢ، ﻭﺍﻋﺘﺰﻭﺍ ﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﺍلله ﻓﺄﺫﻟﺘﻬﻢ، ﺃﻛﺜﺮﻭﺍ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻵﻣﺎﻝ ﻭﺃﺣﺒﻄﻮﺍ ﻃﻮﻝ ﺍﻵﺟﺎﻝ، ﻭﻧﺴﻮﺍ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻭﻣﺎ ﺑﻌﺪﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺪﺍﺋﺪ ﻭﺍﻷﻫﻮﺍﻝ.
ﻭﻗﺪ ﺃﺧﺒﺮ ﺍﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺃﻧﻬﺎ ﻟﻮ ﺳﺎﻭﺕ ﻋﻨﺪ ﺍلله ﺟﻨﺎﺡ ﺑﻌﻮﺿﺔ ﻣﺎ ﺳﻘﻰ ﻛﺎﻓﺮا ﻣﻨﻬﺎ ﺷﺮﺑﺔ ﻣﺎﺀ، ﻭﺃﻧﻬﺎ ﺃﻫﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺍلله ﻣﻦ ﺍﻟﺴﺨﻠﺔ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻠﻬﺎ، ﻭﺃﻥ ﻣﺜﻠﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻵﺧﺮﺓ ﻛﻤﺜﻞ ﻣﺎ ﻳﻌﻠﻖ ﺑﺈﺻﺒﻊ ﻣَﻦ ﺃﺩﺧﻞ ﺇﺻﺒﻌﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺮ، ﻭﺃﻧﻬﺎ ﺳﺠﻦ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﻭﺟﻨﺔ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮ، ﻭﺃﻣﺮ ﺍﻟﻌﺒﺪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﻛﺄﻧﻪ ﻏﺮﻳﺐ، ﺃﻭ ﻋﺎﺑﺮ ﺳﺒﻴﻞ، ﻭﻳﻌﺪ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻘﺒﻮﺭ ﺇﺫﺍ ﺃﺻﺒﺢ ﻓﻼ ﻳﻨﺘﻈﺮ ﺍﻟﻤﺴﺎﺀ، ﻭﺇﺫﺍ ﺃﻣﺴﻰ ﻓﻼ ﻳﻨﺘﻈﺮ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ، ﻭﻧﻬﻰ ﻋﻦ ﺍﺗﺨﺎﺫ ﻣﺎ ﻳُﺮﻏﺐ ﻓﻴﻬﺎ، ﻭﻟﻌﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺪﻳﻨﺎﺭ ﻭﻋﺒﺪ ﺍﻟﺪﺭﻫﻢ، ﻭﺩﻋﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺎﻟﺘﻌﺲ ﻭﺍلإﻧﺘﻜﺎﺱ، ﻭﻋﺪﻡ ﺇﻗﺎﻟﺔ ﺍﻟﻌﺜﺮﺓ ﻭﺍﻻﻧﺘﻘﺎﺩ، ﻭﺃﺧﺒﺮ ﺃﻧﻬﺎ ﺣﻠﻮﺓ ﺃﻱ ﺗﺄﺧﺬ ﺍﻟﻌﻴﻮﻥ ﺑﺨﻀﺮﺗﻬﺎ ﻭﺣﻠﻮﺗﻬﺎ، ﻭﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﺑﺤﻼﻭﺗﻬﺎ ﻭﺃﻣﺮ ﺑﺎﺗﻘﺎﺋﻬﺎ، ﻭﺃﺧﺒﺮ ﺃﻧﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻛﺮﺍﻛﺐ ﺍﺳﺘﻈﻞ ﺗﺤﺖ ﺷﺠﺮﺓ ﻓﻲ ﻳﻮﻡ ﺻﺎﺋﺐ، ﺛﻢ ﺭﺍﺡ ﻭﺗﺮﻛﻬﺎ، وإن الفساد فى الأرض أصبح ظاهرة خطيرة تصيب جميع مجتمعات العالم، النامية والمتطورة والمتقدمة منها على حد سواء.
وإن كان بدرجات متفاوتة، ومن المؤسف أن معدلات الفساد آخذة في الازدياد، فضلا عن تنوع المجالات التي يلحقها، وإعلموا يرحمكم الله أن من موجبات رحمة الله تعالي علي العبد المؤمن هي عيادة المرضى، وتفقد أحوالهم، وزيارتهم والسؤال عنهم فإنه من أسباب الرحمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " من عاد مريضا لم يزل يخوض في الرحمة، حتى يجلس، فإذا جلس، اغتمس فيها " وكذلك أيضا قيام الليل، وإيقاظ الرجل زوجته، والزوجة زوجها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل، فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى، نضحت في وجهه الماء " رواه أبو داود، وكذلك أيضا صلاة أربع ركعات قبل العصر، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال.
" رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعا " رواه أحمد، والترمذي، وكذلك أيضا التكلم بالخير، وكف اللسان عن الشر، فقد روى البيهقي عن أبي أمامة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " رحم الله عبدا قال، فغنم أو سكت فسلَم" وكذلك أيضا المسامحة في البيع والشراء وعند الاقتضاء، كما في صحيح البخاري عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى " وجاء عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس"
