اتقوا الله عباد الله واعلموا أن العقوق دين وفاؤه الأبناء، فمن بر والديه بر بنوه، ومن عقهم عقوه، فرحماك ربنا رحماك " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ما من مؤمن له أبوان فيصبح ويمسي وهو محسن إليهما إلا فتح الله له بابين من الجنة، وقال أبو الليث السمرقندي لولم يذكر الله تعالى في كتابة حرمة عقوق الوالدين ولم يوص بهما لكان يعرف بالعقل أن خدمتهما واجبة، وقال هشام بن عروة مكتوب في الحكمة ملعون من لعن أباه، ملعون من لعن أمه، ومعناها أي يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه، فيصبح كأنه هو الذي لعنهما، وإنه يمكن للمسلم أن يقوم ببر والديه حال موتهما ومن ذلك هو الإستغفار لهما وهو أن يكثر من الإستغفار لوالديه وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول يا رب أنى لي هذه ؟ فيقول بإستغفار ولدك لك" رواه أحمد.
وأيضا الدعاء لهما أن يدعو لهما بالرحمة والمغفرة وما شاء من الأدعية، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " رواه مسلم، وكما أن من بر الوالدين بعد موتهما هو قضاء ديونهما وهو أن يقضي ما عليهما من ديون، وذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه " رواه أحمد، ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين" رواه مسلم، وكما أن من بر الوالدين بعد موتهما هو قضاء نذرهما هو أن يقضي ما عليهما من نذور، مثل نذر الصيام أو الحج أو العمرة أو غير ذلك مما تدخله النيابة، وأيضا قضاء ما عليهما من كفارات وهو أن يقضي ما عليهما من كفّارات ككفارة القتل الخطأ أو اليمين أو غر ذلك لأن هذه الواجبات تدخل في حديث.
" أن امرأة نذرت أن تصوم شهرا، فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها، إما أختها أو ابنتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال " أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضينه ؟ قالت نعم، قال فدين الله أحق أن يقضى" متفق عليه، وكما أن من بر الوالدين بعد موتهما هو تنفيذ وصيتهما وهو إن كان لهما وصية، وقضاء الصيام عنهما كرمضان وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " متفق عليه، وكما أن من بر الوالدين بعد موتهما هو صلة رحمهما وهو أن يصل الأرحام التي توصل إلا عن طريقهما وذلك لحديث أبي بردة رضي الله عنه قال قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر، فقال أتدري لما أتيتك ؟ قال قلت لا، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده، وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذاك " رواه ابن حبان.
وكما أن من بر الوالدين بعد موتهما هو إكرام أصدقاء والديه وهو أن يكرم أصدقاءهما بعد موتهما، وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه " رواه مسلم، وكما أن من بر الوالدين بعد موتهما هو الصدقة عنهما وهو أن يتصدق عنهما لحديث سعد بن عبادة رضي الله عنه أن أمه توفيت، فقال " يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها ؟ قال نعم، قال فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها " متفق عليه، ولقد وصي الله تعالي بالوالدين، فهذا هو الأب، فإن الابن له مجبنة مبخلة يكدّ ويسعى، ويدفع صنوف الأذى بحثا عن لقمة العيش لينفق عليه ويربيه، فإذا دخل عليه هش، وإذا اقبل إليه بش، وإذا حضر تعلق به، وإذا أقبل عليه احتضن حجره وصدره، يخوف كل الناس بأبيه، ويعدهم بفعل أبيه، أفبعد هذا يكون جزاء الأب التنكر والصدود ؟ ونعوذ بالله من الخذلان.
وقال بعض الصحابة ترك الدعاء للوالدين يضيق العيش على الولد، وقال كعب إن الله ليعجل هلاك العبد إذا كان عاقا لوالديه ليعجل له العذاب وإن الله ليزيد في عمر العبد إذا كان بارا ليزيد برا وخيرا، وقال أبوبكر بن أبي مريم قرأت في التوراة من يضرب أباه يقتل، وكان محمد بن المنكدر يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه ضعي قدمك على خدي، وقيل كان محمد بن سيرين إذا إشترى لوالدته ثوبا اشترى ألين مايجد، فإذا كان عيد صبغ لها ثيابا وما رفع صوته عليها كان يكلمها كالمصغي إليها ومن رآه عند أمه لايعرفه ظن أن به مرضا من خفض كلامة عندها.
