📁 آخر الأخبار

❤️🌿🌹 الخوف من الله 🌹🌿❤️بقلم المستشار عادل رفاعي

 



أكتب والألم يعتصر قلبي إذ نحيا في مناخٍ رهيب ينذر بالفناء والدمار، فطبول الحرب تدق وتقرع كل الآذان في كل لحظة وفي كل بقعة من بقاع الأرض، في جنونٍ مُطبِق يدفع لأتون جحيم مستعر لا ينطفئ أواره في منطقة إلا ليعاود الاشتعال في منطقة أخري، فنحن نحيا في زمن كئيب الوجه مزقنا ونفس الجُرج يدمينا ويهلك منا النسل والزرع والحجر والشجر والمدر زمان تعالت فيه صرخات الجوعى والثكالى ولما صرخ الضعفاء شِكاية من هول المحرقة محا اللهيب صراخهم فتشردوا وانهارت أدبيات السلام الوهمي تحت الأحذية الغليظة والأسلحة الفتاكة فأضحى يكرس للقتل والترويع وبحور الدماء في تآمر خؤون من الأقوياء الكبار واستكانة عاجزة من الضعفاء والضحايا الذين يسامون ذل العجز والندامة بما ينبئ حتما بنهاية العالم وفناء البشرية تحت معاول الهدم وغطرسة القوة التي تدفعها رياح الحقد الأسود التي أعمت العيون وأصمت الآذان عن مواطن الرُشد والحق والعدل والمرحمة واكتوى الضحايا -واكتوينا معهم- بلهيب العار بعد أن عدت النيران على غدنا ومزقت الصبح في أحشاء وادينا فجرت أنهار الخوف في دروبنا والآن نبكي على أمة ماتت عزائمها وفوق أشلائها تساقطت العِلل دون خوف من الله الجليل فأويت إلى قلمي وقرطاسي لأكتب عن الخوف من الله، 

فهو الذي قال في محكم التنزيل:

(فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين) آل عمران ١٧٥ 

وهو القائل جل في علاه: (فإياي فارهبون) البقرة ٤٠ 

وهو تعالي القائل: (فلا تخشوا الناس واخشونِ) المائدة ٤٤

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: ( وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي)

"حسنٌ رواه أبو نعيم في الحلية" ١/٢٧٠ 

هذا وقد قال المناوي فمن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه في الدنيا أكثر والعكس وذلك لأن من أعطي علم اليقين في الدنيا طالع الصراط وأهواله بقلبه فذاق من الخوف وركب من الأهوال ما لا يوصف فيضعه عنه غداً ولا يذيقه مرارته مرة ثانية، وهذا معنى قول بعض العارفين لأنه لما صلى حر مخالفة القوي في الدنيا لم يذقه الله كرب الحرب في العقبى وقال القرطبي فمن استحى من الله في الدنيا مما يصنع استحي عن سؤاله في القيامة، ولم يجمع عليه حياءين كما لم يجمع عليه خوفين.

 وقال الحرالي: نار الحق في الدنيا للمعترف رحمة من عذاب النار تفديه من نار السطوة في الآخرة ومحمد عليه الصلاة والسلام يعطي الأمن يوم القيامة حتى يتفرغ للشفاعة وما ذاك إلا من الخوف الذي كان علاه أيام الدنيا فلم يجتمع غليه خوفان، فكل من كان له حظ من اليقين فعاين منه ما ذاق من الخوف سقط عنه من الخوف بقدر ما ذاق، وهنا قال العارفون: والخوف خوفان، خوف عقاب وخوف جلال والأول يصيب أهل الظاهر والثاني يصيب أهل القلوب والأول يزول والثاني لا يزول 

" يراجع كتاب صحيح الأحاديث القدسية وشروحها لخيري سعيد 'ص٣٠٠' "

وإذ التقيت أستاذي الأزهري النابه فسألته عن الخوف أثره وتعريفه والفرق بينه وبين الخشية والرهبة والوجل؟

فرد بأن الخشية والخوف والرهبة والوجل ألفاظ متقاربة لكنها غير مترادفة وقد قال أبو القاسم الجنيد:

الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف

 وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام وهذا سبب الخوف. 

وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. وأردف أن الخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء 

قال تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء). فاطر ٢٨ 

فهي خوف مقرون بمعرفة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية) صحيح أخرجه البخاري حديث ٥٠٦٣ ". 

وأكد أن الخوف حركة والخشية إنجماع وانقباض وسكون فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان: 

١ إحداهما حركة للهرب منه وهي حالة الخوف

٢ والثانية سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه وهي الخشية وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه

وأما الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته 

وأما الهيبة فخوف مقارن للتعظيم والإجلال وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال تعظيم مقرون بالحب وأكد ان الخوف يكون لعامة المؤمنين بَيد أن الخشية تكون للعلماء العارفين، وأن الهيبة تكون للمحبين، لكن الإجلال يكون للمقربين، وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية،

فصاحب الخوف يلتجئ إلى الهرب والإمساك وصاحب الخشية يلتجئ إلى الإعتصام بالعلم ومثلهما مثل من لا علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق، فالأول يلتجئ إلى الحمية والهرب والطبيب يلتجئ إلي معرفته بالأدوية والأدواء.

 فذكرته أن أبا حفص قال: الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه،

كما قال: الخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإن خفته هربت إليه فاالخائف هارب من ربه إلي ربه وذكرته بما قال أبو سليمان: من أنه ما فارق الخوف قلبا إلا خرب كما أن إبراهيم ابن سفيان قال: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها وأن ذا النون قال: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق، وأن حاتم الأصم قد أدلى بدلوه في الموضوع فقال: 

لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من الجنة ولقي فيها آدم ما لقي ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن باعورا لقي ما لقي وكان يعرف الإسم الأعظم ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم فلا شخص أصلح من النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون.

وهنا تدخل شيخي فقال: إن الخوف ليس مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل ولهذا يزول بزوال المخوف فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

كما وأن الخوف يتعلق بالأفعال لكن المحبة تتعلق بالذات والصفات ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف ولهذا كانت منزلة المحبة ومقامها أعلى وأرفع من منزلة الخوف ومقامه.

فسألته عن الخوف المحمود الصادق؟

فقال: هو ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل فإذا تجاوز ذلك خِيف منه اليأس والقنوط.

 وأردف أن أبا عثمان قال: صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرا وباطناً، وأن ابن تيمية قال: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله.

وإن الإمام الهروي ذكر أن الخوف هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر يعني الخروج عن سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد وتذكرت كيف كان أبي قارئ القرآن الكريم رحمه الله يبكي بكاءً شديداً حين كان يصدح بآيات الذكر الحكيم ماراً على آية تتحدث عن الآخرة أو عن الذات الإلهية وكيف كان عقد الدموع ينفرط على أرض وجهه فينعكس على صوته فيملأ القلوب خوفاً من الجليل ويضفي على القراءة جلالًا وجمالاً وخشوعاً وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 

(كل عين باكية يوم القيامة إلا عين غضت عن محارم وعين سهرت في سبيل الله وعين يخرج منها مثل رأس الذباب -يعني الدموع- من خشية الله) رواه أبو نعيم في الحلية ٣/١٦٣ 

فسألته عن درجات الخوف؟ فقال:

هي على ثلاث درجات،

الأولي: الخوف من العقوبة وهو الخوف الذي يصح به الإيمان وهو خوف العامة وهو يتولد من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة 

وذكرته أن الخوف مسبوق بالشعور والعلم، فمُحال خوف الإنسان مما لا شعور له به وله متعلقان أحدهما نفس المكروه المحذور وقوعه 

والثاني السبب والطريق المفضي إليه، فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المخوف وبقدر المخوف يكون خوفه وما نقص من شعوره بأحد هذين، نقص من خوفه بحسبه 

فمن لم يعتقد أن سبب كذا يفضي إلى محذور كذا لم يخف من ذلك ومن اعتقد أنه يفضي إلى مكروه ما ولم يعرف قدره لم يخف منه ذلك الخوف فإذا عرف قدر المخوف وتيقن إفضاء السبب إليه حصل له الخوف.

وفي مراقبة العاقبة زيادة استحضار المخوف وجعله نصب عينه بحيث لا ينساه، فإنه -وإن كان عالما به- لكن نسيانه وعدم مراقبته يحول بين القلب وبين الخوف، فلذلك كان الخوف علامة صحة الإيمان وترحله من القلب علامة ترحل الإيمان منه.

فسألته عن الدرجة الثانية؟ قال:

هو خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة المشوبة بالحلاوة وهو يعني أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة واستغرقت أنفاسه فيها استحلى ذلك، فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة، فإنه ينبغي أن يخاف المكر وأن يُسلب هذا الحضور واليقظة والحلاوة، فكم من مغبوط بحالة انعكس عليه الحال ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال فأصبح يقلب كفيه ويضرب باليمين على الشمال؟!

بينما بدر أحواله مستنيرٌ في ليالي التمام، إذ أصابه الكسوف فدخل في الظلام، فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة وبالأقبال إعراضا وبالتقريب إبعادا وبالجمع تفرقة كما قال الشاعر:

أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت

ولم تخف سوء ما يأتي به القدر

وسلمتك الليالي فاغتررت بها

وعند صفو الليالي يحدث الكدر .


فسألته عن الدرجة الثالثة؟

فقال: هي درجة الخاصة وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف إلا هيبة الجلال وهي أقصى درجة يُشار إليها في غاية الخوف، وهو ما يعني أن وحشة الخوف إنما تكون مغ الإنقطاع والإساءة وأن أهل الخصوص أهل وصول إلى الله وقرب منه فليس خوفهم خوف وحشة كخوف المسيئين المنقطعين لأن الله عز وجل معهم بصفة الإقبال عليهم والمحبة لهم وهذا بخلاف هيبة الجلال فإنها متعلقة بذاته وصفاته، وكلما كان عبده به أعرف وإليه أقرب كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم وهي أعلى من درجة خوف العامة. واستطرد يذكر أنها هي هيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصون المسامر أحيان المسامرة وتفصم المعاين بصدمة العزة.

فلما سألته التوضيح؟ قال: يعني أن أكثر ما تكون الهيبة أوقات المناجاة وهو وقت تملق العبد ربه وتضرعه بين يديه واستعطافه والثناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه ومناجاته بكلامه وهذه المناجاة توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الرب ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته وتجليها عليه فتعارضه الهيبة في خلال هذه الأوقات فيفيض من عنان مناجاته بحسب قوة واردها وأضاف أن صون المسامر أحيان المسامرة هي أخص من المناجاة وهي مخاطبة القلب للرب خطاب المحب لمحبوبه فإن لم يقارنها هيبة جلاله، أُخِذت به في الانبساط والإدلال فتجيء الهيبة للمسامر في مسامرته عن انخلاعه من أدب العبودية. وأنهي كلامه بأن الفصم هو القطع أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزة الربوبية بمعانيها الثلاثة وهي عزة الامتناع وعزة القوة والشدة وعزة السلطان والقهر فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره إذ لا يقوم لعزة الربوبية شيء.

فسألته وماذا عن الخوف والرجاء؟ 

قال: -القلب يا ولدي- في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران ومتى قطع الرأس مات الطائر ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر.

ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف وهذا قول أبي سليمان إذ ينبغي عنده للقلب أن يكون الغالب عليع الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد

فذكرته أن غيره من العلماء قال: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب، فالمحبة هي مركب والرجاء حاد والخوف سائق والله الموصل بمنه وكرمه.

"يراجع كتاب مدارج السالكين للعلامة ابن القيم الجزء الأول ص ٣٩٠ : ٣٩٤ 

فاتقوا الله فإن من اتقاه وقاه ومن أقرضه جازاه ومن شكره زاده ومن عامل الله بالتقوى والطاعة والخوف في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته.

واملئوا القلوب بالخوف من الجليل فمن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة

فاللهم اجعلنا ممن وضحت لهم محجة النجاة فساروا ولاحت لهم أنوار الهدى فاستناروا وعرفوا دار الكريم فطافوا حولها وداروا وصانوا مطلوبهم عن الأغيار وغاروا ولم يرضوا في حال من الأحوال بالدون فاستنارت بالتحقيق طريقهم وتم اسعادهم وتوفيقهم فنظر إليهم مولاهم فارتضاهم وأنعم عليهم فاختارهم واصطفاهم وأعطاهم من فضله وإحسانه مناهم ومنحهم ما لا يحصى من الخير وحباهم.

فامتطوا أحبتي صهوة مراكب الخوف واسبحوا بها في أنهار الخشوع إلى ربكم فوالله ما عدا علينا العدو إلا بعد أن تولى الولي عنا فلا نظن أن الشيطان قد غلب وانما العاصم الجبار قد أعرض فاعتصموا بالعاصم لا تهلكوا والزموا لواءه في خوف وجلد فالله للحق دوما خير معتصم واستغيثوا بالديان من هجير الهجر لعل الغم ينقلب غمامة تظل من لفح الكرب، فأول خيط الهدى عنده وآخره فوق كل البشر.

فاللهم حققنا بحقائق أهل القرب واسلك بنا مسالك أهل الحب وداوِ جراحنا بدواء طاعتك ونور ظلام قلوبنا ودروبنا بنور هدايتك وانصرنا على أعدائنا يا أمان الخائفين ويا رجاء السائلين ويا عون المستغيثين ويا قاصم الجبارين، يا من لا تحصى نعمه ولا تحصر مننه ولا تكذب آلاؤه، يا جبار السماوات والأرض كن لنا سنداً ومعينا ومدبرا ونصيرا 

وصل على حبيبك المصطفى سيد الأنام صلى الله عليه وآله من الأزل إلى الأبد صلاة لا تحصى بعدد ولا تنتهي بأمد يأتينا بها النصر والفرج والنصفة والمعدلة وتنحل بها العقد وتقضى بها الحاجات وتنفرج بها الكرب وتحفظ بها الأرواح وتُصان بها الأعراض والدماء وتحفظنا بها من غوائل الدهر، ما هبت النسائم و ما ناحت على الأيك الحمائم


المستشار: عادل رفاعي🌹 ❤️

تعليقات