جاء في فضل بر الوالدين أن سعيد بن عامر يقول بات أخي عمر يصلي وبت أغمز قدم أمي وما أحب أن ليلتي بليلته، وكانت أم منصور بن المعتمر فظة غليظة عليه وكانت تقول يامنصور يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبى وهو واضع لحيته على صدره مايرفع طرفه إليها، وقال حمي لما ماتت أم أياس بن معاوية بكى، فقيل له مايبكيك؟ قال كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة وأُغلق أحدهما، وقال عمر بن عبدالعزيز لأبن مهران لا تصاحب عاقا، فإنه لن يقبلك وقد عق والديه، لأن حقهما أوجب حقا منه عليه، وقال علي رضي الله عنه لوعلم الله شيئا في العقوق أدنى من "أف" لحرمه، وقال أحد السلف من عق والديه عقه ولده، وعن عون بن عبدالله قال، قال عبدالله صل من كان أبوك يصله فإن صلة الميت في قبره أن تصل من كان أبوك يصله بالدنيا، وعن الأشجعي أنه قال كنا عند سفيان الثوري فأقبل ابنه سعيد فقال ترون هذا؟
ما جفوته قط وإنه ليدعُوني في الصلاة غير المكتوبة فأقطعها له، وكان حجر بن عدي يلمس فراش أمه بيده فيتهم غلظ يده، فيتقلب عليه على ظهره فإذا أمن يكون عليه شيء اضجعها، ولقد كان السلف الصالح من هذه الأمة أحرص الناس على البر بوالديهم، ومن ذلك أن أبا هريرة رضي الله عنه كان إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه، فقال السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته، فتقول وعليك السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته، فيقول رحمك الله كما ربيتني صغيرا، فتقول رحمك الله كما بررتني كبيرا، أما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقد طلبت والدته في إحدى الليالي ماء، فذهب ليجيء بالماء، فلما جاء وجدها نائمة، فوقف بالماء عند رأسها حتى الصباح، فلم يوقظها خشية إزعاجها، ولم يذهب خشية أن تستيقظ فتطلب الماء فلا تجده، وها هو ابن الحسن التميمي رحمه الله يهمّ بقتل عقرب.
فلم يدركها حتى دخلت في جحر في المنزل، فأدخل يده خلفها وسد الجحر بأصابعه، فلدغته، فقيل له لم فعلت ذلك؟ قال خفت أن تخرج فتجيء إلى أمي فتلدغها، أما ابن عون المزني فقد نادته أمه يوما فأجابها وقد علا صوته صوتها ليسمعها، فندم على ذلك وأعتق رقبتين، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فسبحانه وتعالي القائل " فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون " واعلموا أن العبد إذا قال " الحمد لله رب العالمين " أجابه الله تعالي من فوق عرشه قائلا حمدني عبدي، فإذا قال " الرحمن الرحيم " قال الله تعالي أثنى علي عبدي، فإذا قال " مالك يوم الدين " قال الله تعالي مجدني عبدي، فإذا قال " إياك نعبد وإياك نستعين " قال الله تعالي هذا بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، هكذا يجيبك مولاك من فوق سبع سموات، فاستحضر ذلك، وإنك إذا قلت سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، وإن كنت تقولها بصوت خفي.
فإن الله تعالى يسمع ذلك، وهو فوق عرشه، فما ظنك إذ آمنت بأن الله تعالى يقبل عليك إذا أقبلت عليه في الصلاة، وإنه يسمع كل قول تقوله، وإن كان خفيا، ويرى كل فعل تفعله، وإن كان صغيرا، ويعلم كل ما تفكر فيه وإن كان يسيرا، فإذا نظرت إلى موضع سجودك فالله يراك، وإن أشرت بأصبعك عند ذكر الله في التشهد، فإنه تعالى يرى إشارتك، فهو تعالى المحيط بعبده علما وقدرة وتدبيرا وسمعا وبصرا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، فاتقوا الله تعالى أيها المسلمون وأقيموا صلاتكم، وحافظوا عليها واخشعوا فيها، قال خالد بن عمرو رأيت مسعرا كأن جبهته ركبة عنز من السجود، وقال ابن رهب رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع حتى نودي بالعشاء، أما حالنا فمؤسف فقد أصبحت الصلاة ثقيلة على كثير من الناس حتى إذا كبر أحدهم، أومأ بحركات لا روحانية ونقر الصلاة كنقر الغراب.
لا يذكر الله فيها إلا قليلا، فهلك النقارون، ووالله لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا بين أظهرنا لقال لهم " ارجعوا فصلوا فإنكم لم تصلوا" فلا يغرنك وقوف مصليين متجاورين في صف واحد فإنه قد يكون بينهما من التفاوت في الأجر كما بين السماء والأرض، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " وإن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها " رواه أبو داود.
