بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلم يا من تصلي في بيتك وتهجر بيوت الله إنك مهما عشت في هذه الدنيا فلا بد أن تدخل المسجد إما حيا أو ميتا، فإحرص على دخوله حيا متذللا لله خاشعا لله، طائعا لله ولرسوله، قبل أن تدخله محمولا على أعناق الرجال ميتا ليصلى عليك فحينئذ لا ينفعك عملك ولا تجارتك ولا منصبك ولا مكسبك ولا أولادك من الله شيئا، واعلموا يرحمكم الله أن الخشوع في الصلاة بمنزلة الروح في الجسد، فصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، ولقد كان سيد الخاشعين يصلي لله خاشعا مخبتا يبكي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة كأنه عود، وكان ابن الزبير يصلي في الحجر، فيرمى بالحجارة من المنجنيق فما يلتفت، ووقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد فجعلوا يقولون يا ابن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى طفئت، فقيل له في ذلك فقال "ألهتني عنها النار الأخرى"
وكان علي ابن الحسين إذا توضأ اصفر وإذا قام إلى الصلاة إرتعد، فقيل له فقال تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي ؟ وقالت بنت لجار منصور بن المعتمر يا أبت أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة ؟ قال يا بنيته ذاك منصور يقوم الليل، وقيل سرق رداء يعقوب بن إسحاق عن كتفه وهو في الصلاة ولم يشعر ورُدّ إليه فلم يشعر لشغله بعبادة ربه، وقيل كان إبراهيم التيمي إذا سجد كأنه جذم حائط ينزل على ظهره العصافير، وقال إسحاق بن إبراهيم كنت أسمع وقع دموع سعيد بن عبدالعزيز على الحصير في الصلاة، فهكذا كان خشوعهم، أما نحن فنشكو إلى الله تعالي قسوة في قلوبنا وذهابا لخشوعنا، فلم تعد الصلاة عند بعضنا صلة روحانية بينه وبين ربه تبارك وتعالى، بل أصبحت مجرد حركات يؤديها الإنسان بحكم العادة لا طعم لها ولا روح، فأنى لمثل هذا أن يخشع ؟ فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فسبحانه وتعالي القائل.
" فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون " واعلموا أنه ظهر مؤخرا في هذا الزمان شباب وفتيات لايراعون حق أبويهم ولا يرونه لازما، فيرفعون أصواتهم على الأب والأم خاصة بعدما كبرا وضعفا وإقتربا من القبر وإحتاجا إلى العطف والبر أنكروا حقهما وجحدوا معروفهما، فكم سهرا لتنام وكم جاعا لتشبع وتعبا لترتاح والبر هو خدمتهما وطاعتمها بالمعروف ومن فضل الله تعالى أن بر الوالدين لا ينقطع عنهما أحياء وأمواتا، وإن هناك أشكال لبر الوالدين، ومنها هو برهما حال حياتهما، وإن هناك عدة أمور يمكن للمسلم أن يبر بها والديه في حياتهما، منها الطاعة في غير معصية وهو أن يطيع والديه ويقدم لهما الطاعة إن لم يكن في أمرهما أي معصية للخالق عز وجل أو للنبي صلى الله عليه وسلم، ويبتعد عن معصيتهما، إلا في حالة الزوجة لأنها تقدم طاعة زوجها على طاعة والديها.
وأيضا الإحسان إليهما وهو أن يحسن إلى والديه من خلال أقواله وأفعاله وفي كل شكل من أشكال الإحسان المعروفة، وكذلك خفض الجناح لهما وهو أن يخفض جناحه لوالديه ويتذلل لهما ويتواضع في تعامله معهما، وكذلك عدم رفع الصوت أو الزجر أو الإهانة لهما وهوأن لا يزجرهما أو يهينهما وأن يتلطف عند الكلام معهما ويحذر من رفع صوته فوق صوتهما أو نهرهما عن شيء ما، وأيضا الإصغاء لهما وهو أن يصغي لحديثهما، فعن طريق التواصل البصري معهما أثناء حديثهما، وعدم مقاطعتهما في الحديث أو منازعتهما والحذر من تكذيبهما أو ردّ حديثهما، وأيضا عدم التأفف وهو أن لا يتأفف من أوامرهما وطلباتهما، ولا يضجر منهما، حيث قال الله سبحانه وتعالى " فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما " وكذلك طلاقة الوجه والبشاشة لهما وهو أن يقابلهما بوجه بشوش وترحاب وأن لا يعبس في وجههما أو يتجهم لهما.
وكذلك التحبب والتقرب منهما وهو أن يتحبب إليهما ويتودد لهما، فمثلا يبدئ هو بالسلام عليهما ويقبّل يديهما ويوسع لهما في المجالس ولا يجلس قبلهما ولا يناديهما باسميهما ولا يأكل شيئا من الطعام قبلهما ويمشي خلفهما في النهار وأمامهما في الليل، وأيضا إحترام وجودهما في المجلس وهو أن يحترم وجودهما في المجلس وذلك عن طريق تعديل جلسته، وأن يبتعد عن كل ما يمكن أن يشعرهما بالإهانة ولا يسابقهما الكلام، وأيضا عدم التمنن عليهما وهو أن لا يتمنن عليهما عن تقديمه لعمل ما أو خدمة لهما لأن هذا يعد من مساوئ الأخلاق.
