📁 آخر الأخبار

🌅❤️🌹 أفراح وأتراح 🌹❤️🌅



الحمد لله موفر الثواب للأحباب ومكمل الأجر، وباعث ظلام الليل ينسخه نور الفجر، المحيط علما بخائنة الأعين وخافية الصدر، ومعلم الإنسان ما لم يعلم به ولم يدر، المتعال عن درك خواطر النفس وهواجس الفكر، الموالي رزقه فلم ينس النمل في الرمل والفرخ في الوكر، جل أن تناله أيدى الحوادث على مرور الدهر، وتقدس أن يخفى عليه باطن السر وظاهر الجهر، مننه تيجان الرؤوس وقلائد النحر 

(هو الذي يُسيرُكُمْ فِي الْبَر والبحر) 

أحصى عدد الرمال في الفيافي والنمل في القفر، وشاء فأجرى كما شاء تقدير الإيمان والكفر، أغنى وأفقر فبإرادته وقوع الفناء والفقر، وأصم وأسمع فبمشيئته أدرك السمع ومنع الوقر، أبصر فلم يخف عليه دبيب الذر فى البر، وسمع فلم يعزب عن سمعه دعاء المضطر فى السر، وقدر فلم يحتج إلى معين يمده بالنصر، وأجرى الأقدار كما شاء في ساعات العصر، فهو الذي هدانا إليه بواضح الدليل وسليم السر، وخصنا من بين الأمم بشهر الصيام والصبر، وغسل به ذنوب الصائمين كغسل الثوب بماء القطر، فله الحمد إذ رزقنا إتمامه وأرانا عيد الفطر .

أحمده حمدا لا منتهى لعدده وأشهد بتوحيده شهادة مخلص في معتقده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى نبع الماء من بين أصابع يده صلى الله عليه وعلى  آله وصحبه وسلم.


يأتي علينا العيد هذا العام على وقع قرع طبول الحروب آناء الليل وأطراف النهار ولاحت في الأفق قصصٌ من الأهوال ذات شجون، حاولت أن أمسك بقلبي أن يطير مفزعا، فالهول عاتٍ والحقائق مُرة تسمو على التصوير والتبيين والخطب خطب هذا المشرق المسكين والسيل قد بلغ الزُبى، السماء غاضبة والأرض مخضبة بالدماء، ممتلئة بالأشلاء، وسماسرة الحروب وأباطرة الشر العتاة أعلنوها حرباً ضروسا على الحياة والأحياء حتى تعب الرثاء من الضحايا، والضحايا جمدت أحزانها، أواه! من يرثي المراثي ؟!


وسُحِق الضعفاء بعد أن صبروا على مُر الخطوب، فما أدركوا حلو المنى، معسولة الأقداح، فَصُب البلاء على البلاد والعباد، ووقف الناس بين صامت محايد وبين من أغلق عقله وفهمه عن استقراء الأحداث واستبطان مقاصدها وغاياتها والتعرف على أهدافها، ولله در حافظ إبراهيم شاعر النيل حين قال:


قل للمحايد هل شهدت دماءنا 

تجري وهل بعد الدماء سلام ؟

سُفِكت مودتنا لكم وبدا لنا 

أن الحياد على الخصام لثامُ

إن المراجل شرها لا يُتقى

حتى ينفس كربهن صمام

لم يبق فينا من يمني نفسه

بودادكم فودادكم أحلام 

أمن السياسة والمروءة أننا

نشقى بكم في أرضنا ونُضام؟

إنا جمعنا للجهاد صفوفنا 

سنموت أو نحيا ونحن كرام


"قصيدة في شئون مصر لحافظ إبراهيم "


و أجدني مضطراً بعد أن أهنئ جموع الأمة بشهر صيامهم وبعيد الفطر المبارك أن أفرق بين الذين بذلوا النفس والنفيس والغالي والرخيص وقاموا الليل تتجافى جنوبهم عن المضاجع وبين اللاهين الذين ضيعوا شهرهم فخابت آمالهم، فيوم العيد قد ميز فيه الشقي والسعيد، فكم فرح بهذا اليوم مسرورُ وهو مطرود مهجور، فيا من يفرح بالعيد بتحسين لباسه ويوقن بالموت وما استعد لبأسه، ويغتر بإخوانه وأقرانه وجلاسه وكأنه قد أمن سرعة اختلاسه.

كيف تقر بالعيد عين مطرود عن الصلاح؟ كيف يضحك سن مردود عن الفلاح؟ كيف يسر من يصر على الأفعال القباح؟ كيف لا يبكي من قد فاته جزيل الأرباح؟ النوح أحق بك من السرور يا مغرور، والحزن أجدر بك من جميع الأمور، والجد أولى بك من التواني والفتور، كيف يسر بعيده من تاب ثم عاد؟ كيف يفرح بالسلامة من آثامه في ازدياد؟!

إنما يفرح بذلك اليوم الأتقياء الأنقياء الأصفياء، الذين هم أهل الله وخاصته.

وعن عطاء ابن يسار قال: قال موسى عليه السلام:

يا رب من أهلك الذين هم أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك؟

قال: هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذُكِرت ذكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حَرِب.


وعن وهب بن منبه قال، قال الحواريون:

يا عيسى من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟

فقال عيسى عليه السلام: الذين نظروا إلى باطن الدنيا، حين نظر الناس إلى ظاهرها والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالا، وذكرهم إياها فواتا، وفرحهم بما أصابوه منها حزنا، فما عارضهم من نائلها رفضوه، من رفعتها بغير الحق وضعوه، خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها، وخربت بينهم فليسوا يعمرونها، وماتت في صدرهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا برفضها فرحين وباعوها فكانوا ببيعها رابحين، نظروا إلى أهلها صرعى، قد حلت بهم المثُلات، فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره، لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نُطِق الكتاب وبه نطقوا، وبهم عُلِمَ الكتاب وبه علموا، ليسوا يرون نائلا ولا أماناً دون ما يرجون، ولا خوفاً دون ما يحذرون.


رمضان القوم دائم وشوالهم كذلك صائم وأعيادهم سرور القوم بالمحبوب، وأفراحهم بكمال التقى وترك الذنوب، إذا جن عليهم الليل عادت القلوب بالمناجاة جددا، وإذا جاء النهار سلكوا من الجِد جددا، يجمعون هممهم فيما أهمهم، إذا بات هم الغافل بددا، جزموا على ما عزموا وما انهزموا، أبداً أعيادهم بقرب القلوب إلى المحبوب دائمة، وأقدامهم في الدجى على باب اللجأ قائمة، وأرواحهم بالاشتياق إلى الملك الخلاق هائمة، قرّبهم مولاهم وأدنى، فالنفوس عن الفاني الأدنى صائمة، تزينت لهم لذات الدنيا معاً فما وجدت في قلوبهم لها موضعاً، لما وجدوا كسرة وخِلقاً أقنعا، فإنما العيد ليس ثوباً يجره الخيلاء جرة، ولا تناول مطعم بكف شره لا يؤمن شره، إنما العيد لبس توبة عاص تائب يُسَرّ بقدوم قلب غائب.


فيا من وفى رمضان على أحسن حال، لا تتغير بعده في شوال، يا من رأى العيد ووصل إليه، متى تشكر المنعم وتثني عليه؟


"يراجع كتاب التبصرة لابن الجوزي"


والحق أننا في أشد الحاجة إلى أن نفهم أعيادنا فهما جديداً نتلقاها به ونأخذها من ناحيته، فتجيء أياما سعيدة عاملة، تنبه فينا أوصافها القوية وتجدد نفوسنا بمعانيها، لا كما تجيء آلان كالحة عاطلة ممسوحة من المعنى، أكبر عملها تجديد الثياب وتحديد الفراغ وزيادة ابتسامة على النفاق.


كان العيد عيد الفكرة العابدة، فأصبح عيد الفكرة العابثة، وكانت عبادة الفكرة جمعها الأمة في إرادة واحدة على حقيقة عملية، فأصبح عبث الفكرة جمعها الأمة على تقليد بغير حقيقة، له مظهر المنفعة وليس له معناها، كان العيد إثبات الأمة وجودها الروحاني في أجمل معانيه، فأصبح إثبات الأمة وجودها الحيواني في أكثر معانيه.


كان يوم استرواح القوة من جدها، فعاد يوم استراح الضعف من ذله، وكان يوم المبدأ فرجع يوم المادة!

ليس العيد إلا اشعار هذه الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام، لا إشعارها بأن الأيام تتغير.

وليس العيد للأمة إلا يوماً تعرض فيه جمال نظامها الإجتماعي، فيكون يوم الشعور الواحد في نفوس الجميع والكلمة الواحدة في السنة الجميع.


يوم الشعور بالقدرة على تغيير الأيام لا القدرة على تغيير الثياب… كأنما العيد هو استراحة الأسلحة يوماً في شعبها الحربي.


وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف تتسع روح الجوار وتمتد، حتى يرجع البلد العظيم، وكأنه لأهله دار واحدة يتحقق فيه الإخاء بمعناه العملي، وتظهر فضيلة الإخلاص مستعلنة للجميع ويهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلصة المحبة وكأنما العيد هو إطلاق روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها.

وليس العيد إلا إظهار الذاتية الجميلة للشعب مهزوزة من نشاط الحياة ولا ذاتية للأمم الضعيفة، ولا نشاط للأمم المستعبدة، فالعيد صوت القوة يهتف بالأمة: 

اخرجي يوم أفراحك، اخرجي يوماً كأيام النصر! 


وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف توجه بقوتها ووحدتها واعتصامها بأوامر ربها حركة الزمن إلى معنى واحد كلما شاءت في اتحاد تعمل فيه الصفات الإنسانية في الجموع عمل الحليف لحليفه لا عمل المنابذ لمنابذه، حتى يعود لهذه الأمة عزها الغابر ومجدها السالف.

"يراجع كتاب وحي القلم الجزء الأول للأديب مصطفى صادق الرافعي"


فاللهم أصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور بإذنك واهدنا إلى صراطك المستقيم وأطعمنا من جوع وأمنّا من خوف وقونا من ضعف وأغننا بالعلم وزيّنا بالأخلاق وأكرمنا بالتقوى وجمّلنا بالعافية وافتح لنا فتحا مبيناً وانصرنا نصرا عزيزا وأتم علينا نعمتك وأنزل علينا سكينتك وانشر علينا فضلك ورحمتك


اللهم من اعتز بك فلن يذل ومن اهتدى بك فلن يضل، ومن استكثر بك فلن يقل ومن استقوى بك فلن يضعف ومن استغنى بك فلن يفتقر ومن استنصر بك فلن يخذل ومن استعان بك فلن يغلب ومن توكل عليك فلن يخيب ومن جعلك ملاذه فلن يضيع ومن اعتصم بك فقد هدي إلى صراط مستقيم 

اللهم كن لنا نصيرا وكن لنا معيناً ومجيرا، إنك كنت بنا بصيرا 

اللهم اجمع قلوب هذه الأمة على المحبة والاتحاد وذلل لهم العقبات وسهل لهم الصعاب واجمعهم على الخير وتلمس أسباب القوة وغير ما بأنفسهم وغير حالهم من الضعف إلى القوة ومن العسر إلى اليسر ومن اليأس إلى الأمل ومن الذلة إلى العزة ومن الهزيمة إلى النصر ومن الفرقة إلى الوحدة ومن الغي إلى الرشاد ومن الضلال إلى الهدى ومن الانحراف إلى الاستقامة 

اللهم واجعل بلادنا آمنة مطمئنة واجعلها في حرزك وأمانك وضمانك وارفع رايتها عالية خفاقة تناطح الجوزاء وتزاحم الشمس عند الجلاء، من كادها فكده ومن مكر بها فامكر به، ومن بغى عليها فلا ترفع له راية ولا تحقق له غاية وخذه أخذ عزيز مقتدر ولا تدع له سبيلاً علينا

يا سميع الدعوات يا مقيل العثرات يا قاضي الحاجات يا كاشف الكربات يا رفيع الدرجات يا غافر الزلات 

اغفر لنا ما فات ووفقنا فيما هو آت، ولا تنسنا ذكرك ولا تحرمنا شكرك ولا تؤمنا مكرك ولا تكشف عنا سترك ولا تولنا غيرك ولا تقطع عنا خيرك، لا تدعنا في غمرة ولا تأخذنا على غرة، 

يا ذا الملك والملكوت، يا ذا العزة والجبروت يا من تحصى نعمه ولا تحصر مننه ولا تكذب آلاؤه، ولا ينكر إحسانه 


وصل اللهم وسلم على نبينا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى من والاه إلى يوم الدين 

ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم 

ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر 

ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر 

ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء 


المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️

تعليقات