📁 آخر الأخبار

جدد حياتك 🌹🌅❤️ بقلم المستشار عادل رفاعي

 


راودتني فكرة هذا المقال مذ تخطيت الستين من عمري، وكثيراً ما يحب الإنسان أن يبدأ صفحة جديدة في حياته، ولكنه في الغالب يقرن هذه البداية بموعد مع الأقدار المجهولة، كتحسن في حالته أو تحول في مكانته، وقد يقرنها بموسم معين أو مناسبة خاصة كعيد ميلاد أو غرة عام مثلاً، ومذ لاحت هذه الفكرة برأسي وقررت أن أبدأ عامي هذا بفكرة التجديد تلك، إذ جاءت الأحداث تترى تنبئ في كل لمحة وومضة بفناء العالم، فطبول الحرب تقرع في كل شبر على وجه البسيطة، فضلاً عن الزلازل والعواصف والأعاصير والفيضانات والحرائق والكوارث التي تفني الأخضر واليابس وسخائم النفوس السيئة والثارات القبلية والنعرات العِرقية والفلسفات الإلحادية ورغماً عن ذلك وتمسكاً بأهداب الأمل بغد جديد تشرق فيه شمس المحبة وترفرف عليه رايات العدل، فقد قررت أن أطرح هذه المساوئ ورائي ظِهريا آملا أن تتدارك العالم كله عناية الله ورحمته حتى يعود إلى رشده وصوابه وليس ذلك على الله ببعيد، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون 


وقد كنت أكره التسويف وكنت أشعر بأن رافدا من روافد القوى المرموقة قد يجيء مع هذا الموعد فينشطه بعد خمول ويمنيه بعد إياس، وهذا وهم كبير، فإن تجدد الحياة ينبع قبل كل شيء من داخل النفس، والرجل المقبل على الدنيا بعزيمة ورشد وحسن بصيرة، لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت، ولا تصرفه وفق هواها، إنه هو الذي يفيد منها، ويحتفظ بخصائصه أمامها كبذور الأزهار التي تطمر تحت أكوام السبخ، ثم هي تشق الطريق إلى أعلى، مستقبلة ضوء الشمس برائحتها المنعشة!!

لقد حولت الحمأ المسنون والماء الكدر إلى لون بهيج وعطر فواح، كذلك الإنسان إذا ملك نفسه ووقته واحتفظ بحرية الحركة لقاء ما يجابه من مصاعب وملمات، فإنه يستطيع فعل الكثير دون معاونة من أحد، وأنه بقواه الروحية وملكاته المدفونة يستطيع أن يبني حياته من جديد.


إن الزمن قد يفد بعون يشد به أعصاب السائرين في طريق الحق، لكنه لا يهب المقعد طاقة على الخطو أو الجري، فذاك هو المستحيل، لذلك علمتني الأقدار أن بناء الحياة على أمنية في رحم الغيب أمر غير سديد، فإن الإرجاء على هذا النحو لن يعود بخير.


ولقد علمتني الحياة أن أشقى الناس من يتوقع الشقاء، وهو لا يعلم من حاضره ما الله صانع به ولا من مستقبله ما الله قاضٍ فيه، وكأنه يتظنى بالله فيرى أنه تعالى قد وكله إلى نفسه، وأيأسه من رحمته، وصرف عنه تيار الغيب المندفع بالحوادث والأقدار بين شاطئ الليل والنهار، فلا يدفع إليه جديداً ولا يصرف عنه قديما، وكأن الزمن كله يتحرك وهو ثابت قار، قد حصره الهم من هذا الفلك في زاوية ووضعه الدهر من بيت الأحزان موضع القافية.

والمصيبة في مثل هذا أكبر من كل شيء.

لأنها لا شيء… ولا ينفع المرء أنه من الناس، إذا لم يكن من نفسه، وهذا لا نفس له أو كأنه لا نفس له، إذ لا ثقة به ولا قوة فيه، ولو كان وجهه جلدة مما بين عيني الأسد لما ظهر إلا جباناً، ولو اختلط الحاضر بالمستقبل على شيء لما اجتمع منهما ما يجتمع من غضون جبهته في تعاسته التي يظن أنه خُص بها، فهو يتوهم الخوف ثم يخاف مما يتوهم، ثم يخاف أن يكون الأمر أكبر مما توهم، ثم يخيفه أن تخذله الأقدار فلا يقوى على ذلك، ثم يكون أشد خوفاً من أن يستمر له ذلك…

فمن خوف إلى خوف 

وهو تتابع يصور الرعدة التي تعتريه لجبنه، كما يصور ضحك القهقهة من هذا الجبن، ومن هذا التسويف.

وذلك ضرب من ضروب استحالة النفس، كأنها ليست في صاحبها، أو ليست له فهو يمر على الحقائق فزعا، كما يمر الطائر على الأخيلة التي تنصب له على الثمر، ويجزع منها كما يجزع الطفل من أرواح المردة والشياطين التي تسكن ألفاظ التهويل، ونحوها يفزع به ثم هو من المصيبة الواحدة في مصيبتين: أما الأولى:

فشدة الخوف التي تفقده لذة ما يكون فيه من النعم، والنعم لا حصر لها فلا يشتهيها، ولا يجد لها مساغا بعد أن لبسه مرض الهم، وأما الثانية: 

فقوة اليأس التي تضعف قدرتها على الحيلة للخلاص مما نزل به، فكأنما شد عزمه وثاقاً، ثم لا يكون من إجتماع المصائب الثلاث معا إلا أن يورثنه الذل وسقوط الهمة وتخلخل الفؤاد واضطراب النفس، حتى كأنه من هذه الوساوس بين جدران وثيقة محكمة، لا نافذة منها على فضاء الغيب، والغيب ملء الأبد، فيصبح جلداً بلا جلادة، وعظما أوهنت منه البلادة، ورجلا لو أطاعته كل قوة في الدنيا لما أطاعته الإرادة، وصنماً من أصنام الحياة يعرفه العاقل للتحطيم، ويحسبه الجاهل للعبادة.


"يراجع كتاب المساكين للأديب مصطفى صادق الرافعي"


وعلمتني الحياة أن الحاضر القريب الماثل بين يديك ونفسك هذه التي بين جنبيك، والظروف الباسمة أو الكالحة التي تلتف حوليك هي وحدها الدعائم التي يتمخض عنها مستقبلك.


فلا مكان لإبطاء أو انتظار، ولذلك يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:

(إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) "رواه مسلم"


فلا تُسوف ولا تبقى مهزوما أمام نوازع الهوى والتفريط، وقد يكون ذلك طريقاً إلى انحدار أشد وهنا الطامة الكبرى.

وفي ذلك يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:

(النادم ينتظر من الله الرحمة، والمعجب ينتظر المقت، واعلموا عباد الله أن كل عاملٍ سيقدم على عمله، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله وسوء عمله، وإنما الأعمال بخواتيمها، والليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، واحذروا التسويف، فإن الموت يأتى بغتة، ولا يغتر أحدكم بحلم الله عز وجل، فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، ثم قرأ:

(فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)

فأعد النظر في حياتك وأرسل النظرات الناقدة في جوانبها لتتعرف على عيوبها وآفاتها ورتب لنفسك سبيل الخلاص من الهنات التي تزري بك ورتب كل شيء في وضعه الصحيح وألقِ في سلة المهملات ما لا معنى للإحتفاظ به، وإن المرء أحوج الخلائق إلى التنقيب في أرجاء نفسه وتعهد حياته الخاصة والعامة بما يصونها من العلل والتفكك، ذلك أن الكيان العاطفي والعقلي للإنسان قلما يبقى متماسك اللبنات مع حدة الاحتكاك بصنوف الشهوات وضروب المغريات.


والله يهيب بالبشر قبيل كل صباح أن يجددوا حياتهم مع كل نهار مقبل، فبعد أن يستريح الأنام من عناء الأمس الذاهب، وعندما يتحركون في فرشهم ليواجهوا مع تحرك الفلك يومهم الجديد في هذه الأونة الفاصلة تستطيع أن تسأل:

كم تعثر العالم في سيره؟

كم مال مع الأثرة؟

كم اقترف من دنية؟

كم أضلته حيرة فبات محتاجاً إلى المحبة والحنان؟


في هذه اللحظة يستطيع كل امرئ أن يجدد حياته وأن يعيد دماء نفسه على أشعة من الأمل والتوفيق واليقظة.


إن صوت الحق يهتف في كل مكان ليهتدي الحائرون ويتجدد البالون، ولا أدري لماذا لا يطير العباد إلى ربهم الرحيم على أجنحة من الشوق بدل أن يُساقوا إليه بسياط من الرهبة،


لابد أن تتجدد الحياة بعد بلى وتنقل نقلة حاسمة تغير معالم النفس، كما تتغير الأرض الموات بعد أن تغمرها المياة والمخصبات.

وغني عن البيان أن تجديد الحياة لا يعني إدخال بعض الأعمال الصالحة أو النيات الحسنة وسط جملة من العادات الذميمة والأخلاق السيئة، ولقد كان يسوؤني أن أرى شقياً أفسد حياته وهدم بيته وارتكب من الكبائر ما يشيب لهوله الولدان ، ثم تراه في نفاق ظاهر يجمع الأموال لأولاد السبيل، هذا الخلط لا ينشئ به المرء مستقبلا حميدا ولا مسلكاً مجيدا، بل أنه لا يدل على كمال أو قبول، فإن القلوب المتحجرة لا ترشح بالغيب والأصابع الكزة لا تتحرك بالعطاء إلا نفاقاً.


والله تعالى يصف بعض المطرودين من ساحته من المنافقين فيقول:

(أرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى)


فالأشرار قد تمر بضمائرهم فترات صحو قليل، ثم تعود بعد ذلك إلى سباتها ولا يسمى ذلك اهتداء.


إن البعد عن الله لن يثمر إلا علقماً ومواهب الذكاء والقوة والجمال والمعرفة تتحول كلها إلى نقم ومصائب عندما تعرى عن توفيق الله وتُحرم من بركته، والله تعالى يوصينا إلتزام جانبه والفرار إليه وهي عودة تتطلب أن يجدد الإنسان نفسه وأن يعيد تنظيم حياته وأن يستأنف مع ربه علاقة أجل وأفضل وعملاً أكمل، عله بذلك يكون من الناجين من غضب الله الفائزين برضوانه.


"يراجع كتاب جدد حياتك للعلامة محمد الغزالي"


فاللهم جدد بفضلك وكرمك حياتنا وأفض علينا من نور هدايتك ما تنير به دياجير ظلمنا، وردنا إلى الحق والعدل والخير والمرحمة وحققنا بحقائق أهل الحب وأسلك بنا مسالك أهل القرب وداوِ جراح معاصينا بدواء طاعتك ونور ظلام قلوبنا بنور هدايتك وأمدنا بروح من عندك،

 يا أمان الخائفين ويا جار المستجيرين ورجاء السائلين وعون المستغيثين وقاصم الجبارين يا من لا تحصى نعمه ولا تحصر مننه ولا تكذب آلاؤه ولا ينكر إحسانه

ونسألك أن تجعل مصرنا الحبيبة في أمانك وحرزك وضمانك واحفظ جيوشها وأمنها وأهلها من كل مكروه وسوء 

وصل اللهم على حبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى من والاه إلى يوم الدين.

ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم 

ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر 

ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر 

ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء 


المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️

تعليقات