📁 آخر الأخبار

آفات الفراغ بقلم المستشار عادل رفاعي




في أحضان البطالة تولد آلاف الرذائل وتختمر جراثيم التلاشي والفناء، وإذا كان العمل رسالة الأحياء فإن العاطلين موتى لا حياة لهم، وإذا كانت دنيانا هذه غراساً لحياة أكبر تعقبها فإن العاطلين أحرى الناس أن يُحشروا مفلسين لا حصاد لهم إلا البوار والخسران، وقد نبه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فقال:

(نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) "رواه البخاري" 

أجل، فكم من سليم الجسم ممدود الوقت يضطرب في هذه الحياة بلا أمل يحدوه ولا عمل يشغله ولا رسالة سامية يخلص لها ولا غاية نبيلة يكرس عمره لإنجاحها.


وقد ذكر الإمام الشافعي في أسس التربية كلمته المشهورة:

"نفسك إن لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل"


إن الفراغ في بلادنا يدمر ألوف الكفايات والمواهب، ويخفيها وراء ركام هائل من الاستهانة والاستكانة، ويستتبع هذا الإهدار الشنيع لقيمة العمل والوقت مصائب لا حصر لها في الأحوال النفسية والاجتماعية، وأفضل ما تُصان به حياة إنسان أن ترسم له منهاجا يستغرق أوقاته ولا يترك فرصة للشيطان أن يتطرق إليه بوسوسة أو إضلال، وإن المجتمع يستطيع الخلاص من كوارث كثيرة لو أنه تحكم في أوقات الفراغ بخلق الجهد الذي يستنفذ الطاقات ويوجه المرء إلى ما ينفعه في حياته، وإذا كانت الحياة الجادة تقوم في أصلها على جهاد النفس وجهاد الناس، وذلك بفطام النفس عما تشتهي من آثام أو تجنح إليه من منكرات، كما أن جهاد الناس يعني منع مظالمهم من إفساد الحياة والإصلاح في جنباتها، ولا مراء أن كلا الجهادين يستغرق العمر كله، ولا يستبقي فرصاً للعبث والذهول والغفلات.


وهذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم يلقى عاملا تورمت يداه فيقبلهما ويقول قولته الشهيرة:

هذه يد يحبها الله ورسوله.


ولقد تصادف قدراً أن زُرت أحد أكبر مصانع الجلود بمصر فأسعدني أن أرى أصحاب المصنع يلبسون ذات الزي الأزرق الذي يرتديه سائر العمال، ويشاركون في الأعمال يداً بيدٍ مع كافة العمال ويواصلون العمل بمصنعهم آناء الليل وأطراف النهار حتى أصبحوا رقما هائلاً وكبيرا في صناعة الجلود، وانتُخِب واحد منهم ليكون رئيساً لشعبة الجلود بالغرفة التجارية المصرية.


وأدركت أن العمل الجاد يرتقي بالأمم والأفراد والجماعات في حين أن آفات الفراغ والبطالة تهدم الصروح وتقضي على الحضارات، إذ تدفع العاطلين إلى الإدمان ثم إلى ارتكاب أحط الجرائم، بعد أن ينشب الفراغ أظافره في لحم الأمة ويمزقها تمزيقا ويعتصرها اعتصارا، فالفراغ ينبوع كل شقاء، وأمضى سلاح في يد الشيطان يضرب به القلوب فيمزقها والنفوس فيعتصرها، وما داء الأمم التي فنيت سوى الفراغ الذي فتك بأبنائها.


وأذكر أن الإمام محمد عبده حين عاد من زيارته الشهيرة من فرنسا سأله البعض عما رأى قال رأيت مائة أسطول بنتها الحضارة الفرنسية وحينما سئل عما رأى لما عاد إلى مصر، فقال ساخراً: رأيت مائة مسطول.


وفي العام ١٩٨٨ حضر لزيارتي أحد زملاء الدراسة والذي كان متبرما ساخطا بسبب عدم تعيينه في إحدى الوظائف القضائية، فهدأت ثائرته وطيبت خاطره ووجهته للخلاص من فكرة البطالة بالعمل في المحاماة وأهديته أعداداً من مجلة المحامين والتي كان الأستاذ منير التوني المحامي قد أعد فيها بحثاً مطولاً عن أن المحاماة فن رفيع، وظللت به حتى أقنعته بالفكرة فاستجاب وانخرط في العمل في المحاماة، وإن هي إلا سنوات قليلة حتى تزوج بمحامية زميلة له، وتوسع العمل لديهما بأن فتحا مكتباً بدسوق بمحافظة كفر الشيخ، ثم مكتباً آخر بدمنهور، وأصبحا من كبار المحامين وأشهرهما.


وعلى النقيض التقيت صديقاً كان مهندساً بارزاً بدولة الكويت، ثم انتهت مدة عمله وعاد إلى مصر وظل ردحاً من الزمن عاطلاً بلا عمل، ثم هداه تفكيره أن يدير عملا لا خبرة له به، وهو تسويق بعض المنتجات التي تتصل بأدوات التجميل، وبدلاً من أن يهتم بأعمال التسويق ويختار البارعين فيه، انصب جل اهتمامه على تأسيس مكتب فخم، واختار سكرتيرة حسناء وأسند العمل كله لغيره، بدلاً من أن يتابعه ساعة بساعة، واستغرقته الأمور التافهة الشكلية وإن هي إلا شهور حتى انهدم البناء على رأسه، وتضاعفت عليه الديون وركدت سلعته، ولم يستطع ترويجها، فاضطر لإغلاق مكتبه وعاد يرسف في أغلال البطالة، وصار لا هم له إلا الاقتراض من كل ما يصادفه، ولا تراه إلا متبرما بالظروف التي تحيط به وما صادفه من متاعب وآلام، مع أن المتاعب والآلام هي التربة التي تنبت فيها بذور الرجولة، وما تفتقت مواهب العظماء إلا وسط ركام من المشقات والجهود، وعلى المرء ألا يُجسّم مصائبه ثم يطوف حولها.


إن العظماء الذين استوقفوا التاريخ قد قبلوا الواقع المفروض بكل مرارته وتركوا العنان لإراداتهم لتحول المحنة إلى منحة، ويحولوا ما فيها من كدر وطين إلى ورود ورياحين، وتلك هي العظمة…


فإن عشاق السخط ومدمني الشكوى هم أفشل الناس في إشراب حياتهم معنى السعادة إذا جفت فيها، أو إذا جاءت على خلاف ما يشتهون، أما أصحاب اليقين فهم يلقون الحياة بما في أنفسهم من صلابة ورحابة، قبل أن تلقاهم بما فيها من عنت.


وفي الحديث الشريف الذي رواه الطبراني والبيهقي:

"إن الله يحب المؤمن المحترف"


ولا جرم أن شعوباً بأثرها تسقط من عين الله الجليل وتسقط من أعين أهل الجد والإنتاج، لأنها لا عمل لها استهلكها الفراغ وأسلمها للفناء، والأمر الذي لا مراء فيه أن العلة الأولى لتخلف الأمة ما غلب على أحوالها النفسية والاجتماعية من قعود واستكانة وتقاعس، ويستحيل أن تحرر هذه الأجيال الغفيرة من البشر سهماً من نجاحٍ في الدنيا، أو بناء صرح حضارتها، إلا إذا تغير أسلوبها في الحياة وامحت من ربوعها آثام البطالة والفراغ.

 

فالله تعالى ما زال ينادي على البشرية منذ فجر التاريخ:

(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) 

التوبة ١٠٥". 


والحقيقة التي لا مراء فيها أن المجد والنجاح والإنتاج تظل أحلاماً لذيذة في نفوس أصحابها، وما تتحول حقائق حية إلا إذا نفخ فيها العاملون من روحهم، ووصلوها بما في الدنيا من حُسنٍ وحركة.

"يراجع كتاب جدد حياتك للعلامة محمد الغزالي"


فيا بني وطني هبوا للقضاء على البطالة والفراغ وتمسكوا بالعمل والإنتاج على أسس علمية حتى ترقى أمتنا إلى المكان الذي تستحقه، فإن الينبوع الذي تسيل منه مخايل الرجول الناضجة، هو الذي تسيل منه معاني اليقين الحي بأن الإيمان بالعمل والإنتاج هو سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة.


فاللهم أصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور بإذنك واهدنا إلى صراطك المستقيم وطهر عقولنا وقلوبنا من عبودية العبيد وأغننا بالعلم وزيّنا بالعمل وأكرمنا بالتقوى وجمّلنا بالعافية،ونعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، ونعوذ بك من شر البطالة وآفاتها، ونسألك أن تعيننا على شهوات أنفسنا وضعف إرادتنا، ونعوذ بك من العجز والكسل.

اللهم بك نستنصر فلا تخذلنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وببابك نقف فلا تطردنا، وردنا إلى العمل الجاد والعلم النافع حتى يعود إلينا عزنا الغابر ومجدنا السالف، واحفظ اللهم مصر وجندها وأمنها بحرزك وأمانك وضمانك، ونسألك أن تحول حالنا من الضعف إلى القوة ومن البطالة إلى العمل الجاد، ومن العسر إلى اليسر، ومن الخوف إلى الأمن، ومن اليأس إلى الأمل ومن الذلة إلى العزة ومن الهزيمة إلى النصر ومن الفرقة إلى الوحدة ومن الغي إلى الرشاد ومن الضلال إلى الهدى ومن الانحراف إلى الاستقامة


وصل اللهم وسلم على نبينا وحبيبنا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى من والاه إلى يوم الدين.

ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم 

ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر 

ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر 

ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء 


المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️

تعليقات