📁 آخر الأخبار

🤲🌹❤️ زحام النعم ❤️🌹🤲 بقلم المستشار عادل رفاعي

 



ما أكثر النعم التي حبانا الله بها وهي بين أيدينا وإن غفلنا عنها، فالعافية التي نمرح في سعتها ونستمتع بحريتها نعمة كبيرة، والصحة نعمة والمال نعمة والطعام نعمة والشراب نعمة واللباس نعمة والمسكن نعمة والمحبة نعمة والصداقة نعمة والوفاء نعمة والعطاء نعمة.


إن هناك خلقاً ابتلوا بفقد هذه النعم، وليس يعلم إلا الله مدى ما يشعرون به من ألم ؟

فمنهم من يستجدي الهواء الواسع نفساً يحيي به صدره العليل، فما يعطيه الهواء إلا زفرة وتخرج شاخبة بالدم، ومنهم من عاش معاقاً منقوش الأطراف أو مكلوم المشاعر، ومنهم من يتلوى إذا نزلت في جوفه لقمة من طعام.

فإذا كنت معافى من هذه الأسقام كلها، فاعلم أن الله تعالى قد زودك بنعم لا حصر لها.


ومع أن نعم الله تعالى تحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم وتلاحقنا في كل نفس يملأ صدرونا بالهواء النقي، ومع كل خفقة تدفع الدماء في العروق،

فنحن مع ذلك قلما نحس بهذا الفضل العظيم، أو نُقدّر نعم المُنعِم جل في علاه. 


إن كثيراً منا يشعر أن كل شيء مهيأ له من تلقاء نفسه، وأن على الكائنات أن تستجيب لرغباته وأن على الكون أن ينضبط مع أمنياته، بل إن البعض يعلن أنه يسترد حقاً مسلوبا منه، أو ملكاً خاصاً به، ومن ثَم فهو لا يرى لأحد فضل عليه حتى الخالق الأعظم، فهو ألف اعتياد تلك النعم وكأنها حقه الموروث، ثم جحد تلك النعم والقعود عن أداء فريضة شكرها والامتنان لواهبها الأعظم، فأكثرنا يتمتع بالصحة ويتناول أطايب الطعام ويلبس أفخر الملابس ويتحرك في طول البلاد وعرضها، وغيره يتمنى أن ينهض واقفاً ولو للحظات، أو يذوق طرفاً من تلك النعم، بل إن العيش في مسكنٍ أصبح من الأماني المستحيلة لبعض الذين هُدِمَت بيوتهم على رؤوسهم فاستحالت رمادا يذروه الرياح، يلتحفون الزرقاء ويفترشون الغبراء ويفتقرون إلى المأوى ويفتقدون الأمن والأمان.

همهم البحث عن لقمة عيشٍ تسد جوعهم، وذلك معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه:

(من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)

"رواه البخاري والترمذي"


من أجل ذلك فشكر النعمة والامتنان لخالقها هو سر بقائها ودوامها، وكفر النعمة مؤذن بزوالها 

(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم ٧". 


وفي ذلك يقول الشاعر:


إذا كنت في نعمة فارعها

فإن المعاصي تزيل النعم

وداوم على شكر الإله 

فإن الإله سريع النقم 


فاللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك.


وأغلبنا لا يشعر بقيمة النعمة إلا أن فقدها، وما أفسد الحياة الدنيا وكسف ضياءها وشاب نعماءها إلا ركض البشرية في جوانبها ركضاً مجنوناً لا يخضع لشرائع الله ولا يستقيم مع نصحه وهداه.


لَعَمْرُك ما ضاقت بلاد بأهلها

ولكن أخلاق الرجال تضيق 


"يراجع كتاب جدد حياتك للعلامة الشيخ محمد الغزالي"


وأذكر أن أحد المقربين مني وكان هزيل البدن ضعيف البنية، كان يتردد عليّ بين الفينة والفينة طالبا معونة، فاقترحت عليه أن أمنحه مبلغاً من المال ليستغله في مشروع صغير يدر عليه ربحاً، واتفقنا أن تحضر زوجته بعض الخضروات وتبيعها للجيران وبدأ في تنفيذ مشروعه الصغير، وإن هي إلا أشهراً معدودة حتى توسع في مشروعه وبدأ ينشغل به ويطوره، محاولاً تعظيم ناتجه فأغناه ذلك عن السؤال وعاش كريماً حتى لحق بربه، وهنا أدركت أن من الخطأ أن يحسب المرء رأس ماله بما تجمع لديه من أموال وحسب، وأيقنت أن رأس المال الحقيقي والأصيل هو جملة المواهب التي سلّحك القدر بها ذكاء وقدرة وحرية، وفي طليعة تلك المواهب ثروتك مما أنعم الله به عليك من صحة سابغة وعافية تتألق بين رأسك وقدمك، وتتألق بها في الحياة كيف تشاء، والغريب أن أكثرنا يزدري هذه الثروة دون أداء فريضة شكرها ودون إحساس بقيمتها وهو جحود يستحق التنديد،

وعلى نقيض قصتنا الأولى، عرفت رجلاً كان يعاني من الصحة المفرطة، وكان موظفاً بإحدى الشركات، ثم مسه مسٌ من الشيطان أعماه عن مقاصد الرشد، فترك عمله متسخطاً على ربه، غير راضٍ بقدره، غير قانع برزقه، وهداه شيطانه إلى أن يعمل شحاذاً يمد يديه لكل من هب ودب طامعاً في حصد أموالٍ لا تأتيه بعرق الجبين وكد اليمين، فأراق ماء وجهه، وأضحى متسفلاً يجوب الطرقات، ويطرق الأبواب ويسلط لسانه على كل من يحجب عنه المال متمارضاً، ونسي أن الرسول العظيم قال:

(من فاتح باباً للمسألة فتح الله عليه باباً للفقر والمذلة، فعاش منبوذاً وجلب لنفسه ولأهله العار ومات فلم تبكِ عليه السماوات والأرض ولم يحزن من أجله أحد.


وهذا نموذج فج لشخص أعطاه الله كل شيء، فأعطاه الصحة والوسامة والوظيفة المحترمة والاسرة السعيدة والزوجة المخلصة والأولاد الطائعين، وبدلاً من أن يرفل في أثواب السعادة ويتمتع بنعم الله، بدأ حياته بأن حرض أشقاءه الذكور على حرمان أخواتهن من إرث أبيهن، واستولى هو وأخوته الذكور على الميراث وحدهم، إعلاءً لقيم الجاهلية الجهلاء، ثم أغراه صديق سوء بحلم الثراء العريض، بالبحث عن الآثار، فأنفق ماله وبدأ في الاستدانة من خلق الله جميعاً، ثم قوض بناء أسرته فهدم بيته وطلق زوجته ورمى أولاده تاركاً إياهم في أحضان اليتم والعنت، وأضحى لا ذمام عنده ترعى ولا أخلاق، وترك أولاده جياعاً وترك أصحابه العدول الراشدين واستبدلهم بالسحرة والدجالين، وغاص إلى الإنهيار وأوى إلى ضياعٍ بلا هداية، أصبح يختلق القصص الوهمية ليستولى على أموال الناس، ويستدر عطفهم ويبتز مشاعرهم بذريعة أنه يحتاج المال لإجراء جراحة لبعض أبنائه، فلما تثاقلت عليه الديون حاصره الدائنون وهددوه بالقتل، ففقد الأمان وظل يتنقل من مكان لمكان هلعاً مذعوراً، وصار نهباً للخوف والأوهام وتلك عقبى التعدي.


والحق أن ما في الحياة من منغصات ومتاعب يجيء من فوضى الناس ونزق غرائزهم وطيش مسالكهم، أكثر مما يجيء من طبيعة الحياة نفسها.


ومن فريضة شكر النعمة أن ندرك ضخامة تلك النعم التي أسبغت علينا، وأن نؤدي حقها عملاً وجهداً وعرقاً وكفاحاً ينهض بأمتنا ويدفع مسيرتها إلى الأمام 



فاللهم إنا أصبحنا وأمسينا منك في نعمة وعافية وستر، فأتم علينا نعمتك وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة، واشغل قلوبنا بحبك وألسنتنا بذكرك وأبداننا بطاعتك وعقولنا بالتفكير في خلقك، وأطعمنا من جوع، وآمنا من خوف وقونا من ضعف، وأطلق عقولنا من أسر التقليد وأطلق قلوبنا من عبودية العبيد، وأغننا بالعلم وزيّنا بالعمل وأكرمنا بالتقوى وجمّلنا بالعافية، وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وزدنا ولا تنقصنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارض عنا وأرضنا، وامنن علينا بنصر قريب تشفي به صدور المؤمنين وتقر به أعين الموحدين وتخذل به أعداء الدين وترد به الحق للمهضومين وتستجيب به لدعوة المظلومين، ونسألك أن تحفظ مصرنا وجيشها وأمنها وشعبها من كل مكروه وسوء.

وصل اللهم وسلم على نبينا وشفيعنا وقرة أعيننا سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى زوجاته أمهات المؤمنين وعلى أصحابه الغر الميامين وعلى من والاه إلى يوم الدين.


ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم 

ما طلعت شمس النهار وما قد شعشع القمر 

ما جن ليل الدياجي أو بدا السحر 

ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء 


المستشار: عادل رفاعي 🌹 ❤️

تعليقات